خطوة لبكرة..والمشكاة المضيئة

د.رحاب عبد المنعم
إن لم يتم تسليط الضوء على نتائج وتوصيات البحوث العلمية؛ صارت أهدافها الرئيسة حبيسة الأوراق والوثائق؛ وإن خرجت نتائجها للجمهور في توقيت غير مناسب؛ فإنها ستفقد –حقًا- جزءًا كبيرًا من قيمتها؛ ذلك لإن إشكاليات البحث العلمي تنبثق من ثنايا المجتمع، ومشكلاته، وتحدياته، ويحاول الباحث باستخدام الطرق المنهجية المناسبة؛ تقديم حلول واقعية ومنطقية لهذه الإشكاليات.
وتهيمن الاتجاهات البحثية البينية على رؤى الباحثين بمختلف التخصصات؛ بهدف إضفاء سمات التكامل، والتحليل، والتفكير النقدي العميق بين ماهية النظريات، وأساليب تطبيقها، وأوجه الاستفادة منها؛ في محاولة لبلوغ محددات الاتساق التنظيري بين العلوم التطبيقية والإنسانية.
ولعل هذا هو الهدف الرئيس الذي هيمن على خواطر منظمي مؤتمر(خطوة لبكرة) الذي انطلقت فعالياته بنادي 6 أكتوبر؛ ليكون فرصًة طيبًة لطلاب الجامعات؛ لاكتساب أنماط معرفية وثقافية متخصصة بمجالات متعددة، وإتاحة الفرص للشباب وحديثي التخرج؛ للبحث عن فرص عمل وتدريب، واكتساب الخبرات؛ لاسيما مع تعدد قطاعات الشركات ومجالات الأعمال المشاركة بالحدث، وتنوع أنماط ملكيتها بين الحكومية والخاصة، ومن ثم مخاطبة الفعاليات لفئات عمرية وطبقات اجتماعية متعددة.
لقد اتخذت الفعاليات من أحد الأندية مكانًا للانعقاد؛ باعتبار الأندية أحد أجهزة التنشئة الاجتماعية، ومن ثم تحقيق الاتساق بين الدورين التثقيفي، والترفيهي؛ من خلال نشر ثقافة الوعي بأهمية البحث العلمي، ورفع الروح المعنوية للمشاركين، واستعادة النشاط الذهني والبدني، والخروج عن الروتين والرتابة، وتوفير فرص من الراحة والترفيه، والتفاعل الاجتماعي، إلى جانب تشجيع المتحدثين والضيوف على التفكير الخلاق، عبر المشاركة في طرح الأفكار البناءة، والرؤى المستقبلية الواعدة؛ لاسيما مع مشاركة عدد من منظمات المجتمع المدني، والرعاة، والمؤسسات الإنتاجية والخدمية الداعمة للمبادرات العلمية المخططة.
هذا المزيج الإبداعي من عناصر الابتكار والتفكير الخلّاق؛ يمثل الركيزة الأساسية لانعقاد المؤتمرات العلمية؛ وإلا تحولت لجعجعة بلا طحين، وصارت أوراقها العلمية، ومقترحاتها البحثية حبيسة الأرفف؛ لا تجد من يطبقها؛ فالعلماء والمفكرين بحاجة ماسة لمشكاة مضيئة ونبراس منير؛ يكشف عن آرائهم، ويطور أفكارهم، ويخطط أهدافهم، ويحتضن مبادراتهم، ومن هنا تكمن قيمة النوافذ والمنتديات الحوارية المفتوحة بين الباحثين وذويهم، ومع جماعات المصالح؛ لتدعيم شبكات الاتصال الداخلية والخارجية غير الرسمية بينهم.
فضلًا عن استمرارية خلق الدوافع والمتغيرات التحفيزية المتعددة للطلاب وحديثي التخرج، عبر البرامج التدريبية وورش العمل التي تتخلل هذه المؤتمرات؛ لتشجيع الزوار على استقلالية قراراتهم، واستنفار قواهم الذهنية والعملية، واستثمار مهاراتهم في الارتقاء بجودة مخرجات العمل والإنتاج؛ كلمسة إبداعية لا يمكن تعليمها أو اكتسابها بالمناهج والمقررات التعليمية وحدها؛ لأنها بحاجة مستمرة ومتواصلة للصقل والتحسين؛ من خلال حضور هذه الفعاليات، والمشاركة الجادة في جلساتها الحوارية، وتكوين شبكة قوية من العلاقات الاجتماعية البناءة.





