آخر الأخبار

الأستاذ الجامعى..فارس بلا جواد

الأستاذ الجامعى..فارس بلا جواد 

د. محمود فوزي 

 

تعد البيئة الجامعية من أكثر مجموعات العمل تماسكًا؛ حيث الهوية الاجتماعية والتنظيمية الموحدة؛ ما يسمح بتنمية مؤشرات التقارب المؤسسي، والتضامن الفكري بين أعضاء هيئة التدريس؛ واستقرار عمليات التبادل الاجتماعي، وتعزيز فرص الدعم والتعاون المشترك، وما ينجم عن هذه الفرص من مسارات صحية للتعلم التنظيمي، والتنمية المعرفية المشتركة.

 

وتتجاوز المهام الأكاديمية حدود القاعة والمعمل؛ حيث لم تعد أنشطة الاستدامة البيئية والاجتماعية خيارًا طوعيًا؛ بل إلزامًا لعضو هيئة التدريس؛ تحت مظلة قطاع خدمة المجتمع وتنمية البيئة؛ ما ينعكس على مقدار التمكين التنظيمي، ومدى القدرة على أداء المهام الوظيفية، وصناعة القرار، وتطوير الذات، وغيرها من أبعاد السلوك التنظيمي؛ التي تتأثر أيضًا بالسمات الشخصية، والمتغيرات الثقافية، حيث تختلف رؤية أساتذة الجامعات لأنفسهم، ولزملائهم، وبيئة عملهم؛ بتباين مراحلهم العمرية.

 

فبينما تعبر سنوات العمل الأولى- لكل من: المعيد، والمدرس المساعد، والمدرس- عن الرغبة في التأسيس المهني والاستقرار الوظيفي، وامتلاك القدرة على إشباع الأهداف الأكاديمية بشكل أكثر مرونة؛ فإن سنوات العمل التالية تمنح للأستاذ الجامعي؛ شعورًا ذاتيًا عميقًا بتحقيق ذاته، والتعامل مع أمر تعديل وتغيير الاحتياجات التنظيمية بقدر أكبر صرامة، على نحو مواز من الحاجة المتنامية إلى الاستقلال الوظيفي، من خلال الدعوة لتأسيس مدارس بحثية وتيارات فكرية مستقلة، إلى جانب فرص التمكين الإداري؛ من خلال التدرج بمناصب قيادية؛ تمنحه فرصة التعبير عن سياساته، وترجمة أفكاره العملية؛ لخطط تنفيذية قابلة للتطبيق.  

 

الأمر لا يكمن فقط في زيادة رواتب أعضاء هيئة التدريس؛ بمعزل عن إرساء خطط وإستراتيجيات إدارية متكاملة؛ من شأنها الحد من الضغوط التنظيمية المدركة للأكاديميين، فإن خضع الأكاديمي للمظاهر التنظيمية الصلبة، والبيروقراطية الإدارية المتعسفة؛ فإنه سيشعر بتدني مستوى الرضا والولاء الوظيفي، ومن ثم سلبية مواقفه تجاه مهام عمله، ما يؤدي بالطبع لكبت مشاعره نحو المبادرات الذاتية؛ والأعمال التطوعية؛ نظرًا لكونها غير نابعة من دوافع شخصية مستقلة .

 

لا يمكن اختزال الاتجاهات الفكرية الداعية للتحسين على الجوانب المادية فقط؛ دون الإشارة لمقومات الثقافة التنظيمية الداعمة لرؤى الأستاذ الجامعي؛ باعتباره العصب الأهم بالبيئة الجامعية، وسيؤدي المساس بأمن واستقرار هذه البيئة لتصاعد الإفرازات الشخصية والمؤسسية المضادة للإنتاج؛ كارتفاع معدلات الامتناع التنظيمي، وتصيد الأخطاء للآخرين، والانخراط في صغائر الأمور الإدارية، والتعدي على حقوق الزملاء، وممارسة سلوكيات التنمر الوظيفي والاستقواء ببيئة العمل.