سلوك القطيع والأرواح الحيوانية.. كيف تتحكم العاطفة في قراراتنا؟

الأرواح الحيوانية..عندما يصبح الغباء ضرورة والقطيع غاية!!
د.محمود فوزي
يتأثر الفرد شعوريا أو لاشعوريا بالمثيرات الاجتماعية، التي قد تشكل تحيزا إدراكيا أو عاطفيا، يتفاوت أثره، وفقا لتباين الوزن النسبي لقوة المثير، وتقوم نظرية الدافع على فرضية ميل الأفراد نحو “الانقياد” بسبب حاجاتهم الغريزية للنمو، وتحقيق المنفعة؛ انطلاقًا من دوافع فطرية نفسية؛ تقود عمليات التحفيز الذاتي، والنمو النفسي.
ومن ثم لا يتصرف الإنسان، بناءً على ما يتلقيه من رسائل اتصالية موجهة- بل في الغالب- بناءً على ردود أفعاله العاطفية، التي قد تقوده إلى تبني تحيزات إدراكية أو وجدانية معينة، وتمثل هذه التفاعلات فكرة (جون ماينارد كينز) عن “الأرواح الحيوانية Animal Spirits”، التي تحرك الجماهير، وتُعد القوة الدافعة للنشاط الاقتصادي والاستثمار.
وكلما ارتفع مستوى الغباء لدى الفرد، كلما شكلت تحيزاته النفسية ملاذا ومحركا نحو اتخاذ قرارات أو تبني مواقف وأفكار؛ قد لا تكون صحيحة أو موضوعية؛ لكنها تشبع احتياجات نفسية، تهيمن عليها سمات العاطفية، والفورية، والاندفاعية الحمقاء.
وهو الأمر الذي يفسر حدوث عمليات الشراء العفوي والاندفاعي غير المخطط، أو تبني مظاهر الولاء العاطفي الوجداني تجاه علامات تجارية أو كيانات اجتماعية وسياسية معينة، وغيرها من القرارات العشوائية غير المنهجية أو غير المنطقية، التي تتأثر بالحالة المزاجية، أو التوقعات الاجتماعية المدركة.
وتقوم “الاستدلالات المتعلقة بالندرة scarcity heuristics ” بدور بارز في تنمية مخاوف المستهلكين خلال فترات الصدمات؛ نتيجة تأثرها بفكرة الارواح الحيوانية التي تحرك غرائز الجماهير المستثارة؛ بسبب الاوضاع الغامضة غير المسبوقة، حيث يؤدي المناخ النفسي المشبع بالتوتر، والضيق، وعدم الراحة إلى دفع المستهلكين نحو امتلاك منتجات ينظر لها على أنها مهمة، فترتفع قيمة السلع العادية بشكل كبير نتيجة لارتفاع الطلب عليها، ومن ثم تبدأ عمليات الانخراط في سلوكيات التخزين والتكديس بدافع الانتهازية، والمصلحة الشخصية، بغض النظر عن الآثار طويلة المدى أو الأوسع نطاقًا على المجتمع.
وتتماشى هذه الرؤية مع التسلسل الهرمي لتصنيفات هرم ماسلو للاحتياجات البشرية(الضرورات الفسيولوجية، الأمن السلامة، حماية المستهلك ورفاهيته، الحب والانتماء، تقدير الذات، تحقيق الذات أو النمو الشخصي) حيث يميل المستهلكون خلال الأزمات إلى التركيز على تلبية الاحتياجات الفسيولوجية الأساسية أولًا؛ قبل الانتقال إلى مستويات أعلى ونحو سلوكيات استهلاكية أكثر رفاهية.
وما لا ينبغي أن يخبرنا به المسوقون والمعلنون، هو أن الغباء الاجتماعي الناجم عن الغريزة الحيوانية للجماهير، يقوم بدور بارز في تحديد أسعار السوق؛ حيث يحدث سلوك القطيع بشكل أكبر في الأسواق الناشئة؛ لعدم اكتمال الأطر التنظيمية، لا سيما فيما يتعلق بشفافية المعلومات، وتدني مستوى الإفصاح عن البيانات، ما قد يؤدي إلى توقف عملية التعلم الاجتماعي، تلك العملية القائمة على التحليل والتقييم الموضوعي لجودة المعلومات، واتخاذ القرارات والمواقف؛ وفقًا لهذه العمليات الاستدلالية والاستنباطية الموضوعية، وليس على مجرد التقليد الأعمى.





