التسوق الإلكتروني وانتهاك العقد النفسي

د.محمود فوزي
تتسم بيئة التجارة الإلكترونية بفرط المعلومات، والكثافة المتنامية للمحفزات الرقمية والإشارات المعلوماتية، التي يعجز الفرد عن إدراكها واستيعابها بشكل كامل، ويميل بعض المستهلكين إلى تصديق ذويهم ممن يعتقدون في امتلاكهم لمعلومات كمية أو نوعية بشكل أفضل؛ الأمر الذي يتوقف على مستوى الثقة الذاتية للمستهلك، ومدى تمتعه بالاستقلالية، والقدرة على تقرير مصيره الشرائي، ومدى هيمنة التحيزات الإدراكية والعاطفية على سلوكياته.
كما يعد السلوك الجمعي للمستهلك أحد أبرز العوامل المؤثرة في قراراته الشرائية؛ لاسيما عبر الإنترنت؛ حيث تلعب رغبة الانتماء، والاندماج الاجتماعي دورًا هامًا في اتجاهات العميل؛ خاصة إن كان يعاني من أثر الندم واللوم الشخصي؛ ويبحث دومًا عن الملاذ الشرائي الآمن، الذي يجنبه الخوف من الخسارة أو الندم الفردي؛ حيث تتأثر تصوراته المدركة عن المنتجات؛ بآراء أعضاء الجماعات المرجعية؛ الذين يمكنهم تحفيز أو إضعاف دوافعه الاستهلاكية.
وتعرف هذه العملية بالتأثير الاجتماعي المعلوماتي، الذي يقود الفرد نحو تجاهل معارفه وتجاربه الشخصية؛ للاعتماد على الآخرين؛ إيمانًا منه بحكمتهم، فينوبون عنه في اتخاذ قراراته الاستهلاكية، فالأمر لا يتوقف عند اتجاه المرء نحو التعلم من ذويه، والاعتماد على تجاربهم، وسردياتهم، وقصصهم الإنسانية؛ بل الانقياد التام، والاستهلاك الأعمى، الذي تعززه حالة الخمول المعرفي المهيمنة على شخصيته.
وفي الوقت الذي يعمد فيه بعض العملاء مشاركة قصصهم الإنسانية وتوصياتهم حول تجاربهم الشرائية؛ إلا أن الأمر قد ينشئ حالة من التوتر وعدم اليقين الرقمي؛ نتيجة لعدم توافق وتماثل المعلومات، ومن ثم الاختلاف الجوهري بين القيم المدركة للمنتج وبين صورته الدعائية التي نجحت أساليب التسويق في رسم ملامحها.
فالميزة المعلوماتية لا تكفي وحدها لصناعة قرار شرائي رشيد؛ بل تصبح نقمة في يد مستهلك مرتعش؛ يتردد بشأن كفاية وجودة معلوماته، أو يعتقد بقدرات الآخرين على تحليل ومعالجة المعلومات بشكل أفضل منه، أو امتلاكهم لكم أكبر من المعلومات، التي يعجز عن اقتنائها، وكلما اتسمت المعلومات المتاحة بالوفرة والجودة، كلما تضاءلت احتمالات شعور المستهلك بخيبة الأمل، وانتهاك العقد النفسي؛ كنتيجة حتمية مباشرة؛ لشعوره بالخداع التسويقي، والخذلان الناجم عن قراراته الشرائية الخاطئة.
ويشير انتهاك أو اختراق العقد النفسي للحالة العصبية التي يدرك فيها المستهلك إخلال المسوق الإلكتروني بالوعود والالتزامات الضمنية؛ كتدني مستوى الجودة، أو عدم مطابقة المواصفات..الخ، فيشعر بفقدان الثقة والخيانة؛ سواء نحو المنتج أو المنصة الرقمية المسوقة؛ كونها لم تف بأي من الالتزامات؛ ما يمثل تحولًا سلبيا بالغًا في العلاقة الشرائية؛ قد يتبعها رد فعل انتقامي، وتوصية سلبية، وولاء عكسي من العميل، أو نشر تجربته الاستهلاكية المريرة، أو الانخراط في مشاحنات وشكاوى ضد المسوقين، وقد يقتصر الأمر على إنهاء التعامل معهم




