تحالف مكة للدفاع.. هل تعيد حرب إيران رسم خريطة الأمن في الشرق الأوسط؟ | خبير يجيب لـ”رؤية”

أعادت الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، التي اندلعت قبل نحو سبعة أشهر، رسم ملامح المشهد الأمني في الشرق الأوسط، بعدما كشفت تداعياتها عن تصاعد الشكوك لدى عدد من دول المنطقة بشأن جدوى الاعتماد الكامل على الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي «الناتو» في توفير الحماية الأمنية وضمان المصالح الاستراتيجية.
وقال علي فوزي، الباحث في الشأن الدولي، في تصريحات لـ«شبكة رؤية الإخبارية»، الأربعاء 9 سبتمبر 2026، إن الحرب أظهرت أن الشراكات الأمنية مع واشنطن و«الناتو» لم تكن كافية لمنع التهديدات، خاصة بالنسبة إلى الدول التي تعرضت لهجمات إيرانية مباشرة، الأمر الذي دفعها إلى إعادة تقييم حساباتها والبحث عن ترتيبات دفاعية أكثر استقلالية.
وأضاف فوزي أن أبرز مؤشرات هذا التحول يتمثل في تأسيس «تحالف مكة للدفاع» بين السعودية وتركيا وباكستان، والذي بدأ الانتقال من مرحلة الإعلان السياسي إلى بناء هياكل مؤسسية، عقب عقد الاجتماع الأول للجنة السياسية والدفاعية الاستراتيجية في إسطنبول أواخر أغسطس.
وكانت الدول الثلاث قد وقعت اتفاقية مكة للدفاع المشترك في 7 أغسطس، والتي تنص على اعتبار أي هجوم مسلح على إحدى الدول الأعضاء هجومًا على الدول الثلاث، بما يعكس توجهًا نحو تبني مفهوم للدفاع الجماعي يشبه، من حيث المبدأ، آلية الدفاع المتبادل المنصوص عليها في المادة الخامسة من معاهدة «الناتو».
ويرى الباحث أن هذه الخطوة تعكس رغبة متزايدة لدى بعض الحلفاء التقليديين لواشنطن في بناء منظومة أمنية إقليمية أكثر استقلالًا، وعدم الاكتفاء بالمظلات الأمنية الغربية في مواجهة التحديات المتصاعدة.
تركيا بين «الناتو» والبحث عن بدائل
وأشار فوزي إلى أن تركيا، التي انضمت إلى «الناتو» عام 1952، باتت تتعامل مع علاقتها بالحلف في ظل بيئة إقليمية ودولية شديدة التغير، لافتًا إلى أن التوترات المتراكمة في العلاقات الأمريكية التركية، إلى جانب تراجع مستويات الثقة بواشنطن، تعكس اتساع مساحة الخلاف حول عدد من الملفات الاستراتيجية.
واعتبر أن الخلافات بشأن ملفات إقليمية وصفقات التسليح، ومن بينها قضية مقاتلات F-35، تمثل أحد مظاهر التوتر داخل العلاقة بين أنقرة وواشنطن، وتدفع تركيا إلى تنويع شراكاتها الأمنية والدفاعية.
وبحسب فوزي، فإن الحرب على إيران شكلت «صدمة» استراتيجية لدول المنطقة، خصوصًا في ظل المخاوف المتزايدة من اتساع نطاق الصراع وتأثيراته المحتملة على أمن الخليج والملاحة الدولية وأسواق الطاقة.
وأشار إلى تصريحات وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو خلال جولته في المنطقة، والتي تضمنت رسائل لطمأنة الحلفاء والتأكيد على التزام واشنطن بأمنهم، إلا أن هذه الرسائل، من وجهة نظره، لم تنجح بصورة كاملة في إزالة الشكوك المتراكمة بشأن مدى استعداد الولايات المتحدة لتحمل كلفة حماية شركائها في حال اندلاع أزمات إقليمية واسعة.
مضيق هرمز يعيد حسابات الخليج
وتزداد أهمية هذه الحسابات مع تصاعد المخاوف المرتبطة بأمن مضيق هرمز، الذي يمثل أحد أهم الممرات البحرية للطاقة والتجارة العالمية، ما يجعل حماية الملاحة وتأمين إمدادات الطاقة عاملين رئيسيين في صياغة الاستراتيجيات الأمنية الجديدة لدول الخليج.
ويرى فوزي أن «تحالف مكة للدفاع» يمتلك مجموعة من عناصر القوة، في مقدمتها القدرات المالية والاقتصادية للسعودية، والقدرات العسكرية والصناعية الدفاعية المتقدمة التي تمتلكها تركيا، إلى جانب القوة العسكرية والقدرات النووية التي تتمتع بها باكستان.
وتعمل الدول الثلاث، وفقًا للباحث، على نقل الاتفاق من الإطار السياسي إلى إطار مؤسسي أكثر رسوخًا، من خلال إنشاء أمانة عامة للتحالف في الرياض، على أن يتولى باكستاني منصب الأمين العام الأول لمدة ثلاث سنوات، في خطوة تعكس، بحسب تقديره، جدية الأطراف الثلاثة في بناء منظومة دفاع جماعي.
كما أعلنت تركيا أن التحالف لا يستهدف دولة بعينها، وأن عضويته يمكن أن تتوسع لتشمل دولًا أخرى تلتزم بالمبادئ التي يقوم عليها، وهو ما قد يفتح المجال أمام تحوله مستقبلًا إلى إطار أوسع للتعاون الدفاعي والأمني الإقليمي.
نحو نظام أمني متعدد الأقطاب
ويخلص فوزي إلى أن التطورات الأخيرة تدفع دول المنطقة إلى البحث عن تحالفات واتفاقيات دفاعية «جدية وحقيقية» مع قوى إقليمية ودولية متعددة، بهدف تعزيز قدرتها على حماية مصالحها وشعوبها بصورة أكثر استدامة.
وبحسب رؤيته، فإن تداعيات الحرب على إيران كشفت عن تراجع الثقة في اعتبار الولايات المتحدة و«الناتو» الضامن الوحيد لأمن الشرق الأوسط، في ظل تباين المصالح بين واشنطن وعدد من حلفائها الإقليميين.
ومن هذا المنظور، يمثل «تحالف مكة للدفاع» أحد أبرز مؤشرات التحول في بنية الأمن الإقليمي، وقد يتحول مستقبلًا إلى أحد أحجار الأساس لنظام أمني متعدد الأقطاب، يعتمد بصورة أكبر على المصالح المشتركة والقدرات الذاتية لدول المنطقة، بدلًا من الاعتماد الكامل على المظلات الأمنية الخارجية.





