
لا يمكن وصم الاضطراب النفسي كفشل أخلاقي، نظرا لكونه حقيقة إنسانية لا تقل واقعية عن أمراض القلب أو السكري، ومع ذلك، يتعامل البعض معه من منظور مختلف، يزيد من حدة الأثر النفسي على المريض.
فحين يمرض الجسد نسرع بالمساعدة، وحين يتعب العقل ننظر إليه بريبة أو نطالبه بـ«التماسك» فلماذا إذن نحوّل الألم النفسي إلى تهمة أخلاقية؟
الوصمة حقا بمثابة سجن اجتماعي، كونها قادرة على تحويل المريض إلى شخص منبوذ اجتماعيا، يعاني ويلات القهر الاجتماعي، والتهميش، والاحتراق النفسي.
يفضل الأغلب الاتجاه نحو العلاج في السر خوفًا من الوصم، فيخسرون فرص العمل والكرامة وينسحبون نفسيا من الحياة الإنسانية والمهنية.
وتدفع الأسر الثمن أيضًا؛ فأكثر من 90% من مقدمي الرعاية يعانون عبئًا هائلًا بسبب نظرة المجتمع، وكثيرًا ما يؤخرون العلاج فيتفاقم المرض على الجميع.
خرافة الضعف الشخصي
نقبل أن السكري خلل في البنكرياس، لكننا نرفض أن يكون الاكتئاب اختلالًا في كيمياء الدماغ، ونتمسك بأنه «نقص إرادة».
هذه الخرافة تغذي الصورة النمطية التي تربط المرض النفسي بالخطر أو العجز، بينما الغالبية الساحقة من المرضى بشر عاديون يحتاجون إلى دعم وعلاج لا إلى أحكام.
المريض قادر على العطاء
العلم يؤكد أن من يعانون اضطرابات نفسية يستطيعون أداء أدوارهم بكفاءة إذا حصلوا على العلاج. فلماذا نحتفل بمريض السرطان العائد إلى عمله، ونتردد أمام من تجاوز الاكتئاب؟ العلاج يعيد الحياة والكرامة، والاضطراب النفسي ليس نهاية الطريق.
الوصمة تعزز المرض وتزيد تداعياته، لكنها لا تشفي، بل تؤخر طلب المساعدة وتترك المرض ينمو في الظلام. الحل في القبول الحقيقي: أن نرى الإنسان قبل مرضه، ونمنحه حقه في العلاج والعمل والكرامة دون شروط.
ويبدأ كسر الوصمة من أفعال يومية بسيطة وواعية، كأن نتحدث عن الصحة النفسية بصراحة ودون خجل، كما نتحدث عن أي مرض آخر.
ونتجه نحو تصحيح المعلومات الخاطئة ونرفض النكات والصور النمطية التي تسخر من المرضى.
لا بد من توجيه صور الدعم منم يطلبون المساعدة، ونشجعهم بدلا من توجيه اللوم، والتهوين من معاناتهم الجسدية والنفسية.
علينا أن نطالب المؤسسات المجتمعية ووسائل الإعلام بتقديم صورة واقعية وإنسانية للمرض النفسي، وأن نبدأ بأنفسنا في تقبل ضعفنا ونطلب المساعدة حين نحتاجها، كي نكسر حاجز الصمت داخل محيطنا.
إذا كنا نمد يدنا للقلب المريض بلا تردد، فكيف نبرر امتناعنا عن مدها للعقل المتعب؟ حقا المرض النفسي ليس عارًا، والعلاج ليس ضعفًا، بل هو حق إنساني وواجب مجتمعي.





