المواطنة التنظيمية العليا بين الإقناع والامتناع

د.محمود فوزي
تطرح بحوث علم الاجتماع التنظيمي إشكالية نقدية؛ تناقش السلوك التنظيمي للعاملين؛ باعتباره دافعًا ذاتيًا؛ ينبع من الموظف نفسه؛ لدعم ومساندة زملائه؛ ما يتطلب مزيدًا من الوقت، والمجهود، والطاقة؛ على حساب الانخفاض النسبي لمستوى الكفاءة الإنتاجية والتنظيمية لمهامه، ومن ثم الإضرار بالأداء الوظيفي، ويرى أنصار هذا الاتجاه أن سلوك المواطنة التنظيمية بمثابة مبادرات فردية طوعية؛ تفرزها ظروف ومتغيرات بيئة العمل؛ شريطة كونها داعمة، وسامحة للموظف أن يبدي سلوكياته الإيجابية.
وكما يظهر سلوك المواطنة التنظيمية بالأنماط المهنية الإيجابية نحو الرؤساء والزملاء والنظم الإدارية المتباينة؛ فإنه يبرز أيضًا في جودة وكفاءة معدلات الامتناع التنظيمي عن السلوكيات المهنية غير المقبولة تنظيميًا؛ كإهدار وقت العمل، وإفشاء أسراره، والتجسس على الزملاء، وتصيد الأخطاء للآخرين، والانخراط في صغائر الأمور الإدارية، والتعدي على حقوق الزملاء، وعدم الامتثال للقيم والسياسات التنظيمية، وممارسة سلوكيات التنمر الوظيفي والاستقواء ببيئة العمل.
وعندما يتجاوز الموظف حدود منظمته، ويتجه نحو المشاركة والتطوع في الأنشطة الخيرية الهادفة إلى خدمة المجتمع والبيئة الأكبر التي تقع فيها منظمته؛ فإنه يقوم بسلوكيات “المواطنة العليا” التي يفوق غرضها حدود المنفعة والكفاءة التنظيمية المباشرة.
وتؤثر متغيرات الثقافة التنظيمية في سلوك مواطنة الموظف، ومقدار التمكين التنظيمي، الذي يمنحه القدرة على أداء المهام، وصناعة القرار، وتطوير الذات، وغيرها من أبعاد السلوك التنظيمي؛ التي تتأثر أيضًا بالسمات الشخصية، والمتغيرات الثقافية المتعلقة بالدين، واللغة، والقيم، والمعتقدات، والاتجاهات الوجدانية، والعادات والتقاليد، وغيرها من المتغيرات، حيث تختلف رؤية الموظفين لأنفسهم، وزملائهم، وبيئة عملهم؛ بتباين مراحلهم العمرية؛ حيث تعبر سنوات العمل الأولى عن الرغبة في التأسيس المهني والاستقرار الوظيفي، وامتلاك القدرة على إشباع الأهداف التنظيمية بشكل أكثر مرونة.
في المقابل تمنح سنوات العمل التالية للموظف؛ شعورًا ذاتيًا عميقًا بتحقيق ذاته، والتعامل مع أمر تعديل وتغيير الاحتياجات التنظيمية بقدر أكبر صرامة، ومن ثم تتفاوت دوافع الموظفين نحو اتباع مظاهر المواطنة التنظيمية؛ باختلاف أعمارهم، كما تعكس مدة العمل مستويات مختلفة من القدرات، والتجارب، والخبرات، والمهارات، والمعارف، والحاجة المتنامية إلى الاستقلال الوظيفي، والتمكين الإداري؛ ما قد يؤثر بدوره على مستوى تبني سلوكيات المواطنة التنظيمية.
وبالطبع تؤثر الظروف والسمات الشخصية على مستوى سلوك المواطنة التنظيمية؛ كالعرق، والمستوى المادي، والحالة الاجتماعية، وتأثير التنشئة الاجتماعية على مدى تمتع العامل بالانطواء أو العزلة الاجتماعية؛ مقابل الانبساط، والانفتاح على الآخرين، وبالانتقال إلى متغيرات البيئة التنظيمية، فإن مجموعات العمل المتماسكة ذات الهوية الاجتماعية والتنظيمية الموحدة؛ تسمح بتنمية مؤشرات التقارب المؤسسي، والتضامن الفكري بين الموظفين؛ للحفاظ على تبادلهم الاجتماعي، وتعزيز فرص الدعم والتعاون المتبادل، ومن ثم تعزيز مفهوم الثقة التنظيمية المتبادلة بينهم.





