آخر الأخبارآراء حرة

تشاد وإعادة تدوير المساءلة.. بين الانسحاب من الجنائية الدولية والعفو عن ماسرا | دراسة لـ”فاروس”

تبحث دراسة لـ”مركز فاروس للاستشارات والدراسات الاستراتيجية” في كيفية تعامل النظام السياسي التشادي مع المساءلة القانونية والسياسية، من خلال تحليل حدثين وقعا خلال صيف 2026: إعلان تشاد الانسحاب من نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية في 27 يوليو، والعفو الرئاسي عن زعيم المعارضة سوكسيه ماسرا بعد 18 يومًا. وترى الدراسة أن الحدثين، رغم اختلافهما بين المجالين الدولي والداخلي، يعكسان نمطًا واحدًا يمكن تسميته «إعادة تدوير المساءلة»، أي تحويل المساءلة من التزام ثابت إلى أداة مرنة يمكن للسلطة التحكم في توقيتها وآلياتها.

وتوضح الدراسة أن الانسحاب من المحكمة الجنائية لا يعني تحرر تشاد الفوري من التزاماتها، إذ تنص المادة 127 من نظام روما على استمرار العضوية لمدة عام من تاريخ الإخطار، مع بقاء الالتزامات المتعلقة بالتحقيقات والإجراءات السابقة قائمة. وبذلك تظل تشاد مطالبة بالتعاون مع المحكمة حتى يوليو 2027، خصوصًا في الملفات المرتبطة بدارفور. كما تربط الدراسة القرار التشادي بضغوط سياسية مرتبطة بالحرب في السودان والانتقادات الأفريقية للمحكمة، إلى جانب حسابات تتعلق بحماية النظام من مساءلة محتملة.

وفي الداخل، جاء العفو عن ماسرا، الذي كان قد حُكم عليه بالسجن 20 عامًا، في ظل أزمة اقتصادية واجتماعية متصاعدة. ورغم الإفراج عنه، أبقى العفو على الإدانة الجنائية وآثارها القانونية، بما يحد من قدرته على الترشح مستقبلًا، وفق الدراسة. وترى الدراسة أن الخطوة ساهمت في تهدئة المعارضة وتحسين صورة الحكومة أمام الرأي العام والجهات الدولية والمانحين، مع احتفاظ السلطة بأداة ضغط قانونية مستقبلية.

وتخلص الدراسة إلى أن النظام التشادي يوظف مزيجًا من الشرعنة والاستمالة والردع، بما يتوافق مع خصائص الأنظمة الهجينة القائمة على الاستمرارية المؤسسية الشكلية. فالسلطة لا تلغي المساءلة بالكامل، بل تعيد صياغة شروطها وتوقيتها بما يمنحها مرونة سياسية أكبر.

وتؤكد الدراسة أن «إعادة تدوير المساءلة» قد تكون فعالة في إدارة الأزمات على المدى القصير، لكنها لا تضمن الاستقرار طويل الأمد؛ لأن المساءلة المؤجلة تظل قابلة لإعادة التفعيل مع تغير موازين القوى. ومن ثم، فإن جوهر التجربة التشادية يتمثل في انتقال السؤال من وجود المساءلة إلى من يملك التحكم في توقيتها ومجالها وآليات تفعيلها.