عفوًا..المعاملة بالمثل!

د.رحاب عبد المنعم
ينبثق مبدأ المعاملة بالمثل من نظرية التبادل الاجتماعي؛ تلك النظرية متعددة الأبعاد النفسية، والإدارية، والاجتماعية، حيث تستمد فكرتها الرئيسة من فلسفة “الإيمان بوجود العالم العادل” كركيزة أخلاقية متأصلة في البشر عالميًا؛ وإن تفاوتوا في مظاهر ومستوى تبادلهم الاجتماعي؛ كمًا وكيفًا.
وينشأ هذا التباين نتيجة لاختلاف مستوياتهم الثقافية، ومتغيراتهم الشخصية؛ حيث تقوم أجهزة التنشئة الاجتماعية بدور بارز في ترسيخ أو تقويض أسس التبادل الاجتماعي؛ بكافة المعاملات الإنسانية، والجوانب الحياتية المختلفة.
وعلى المستوى التنظيمي والمؤسسيي؛ ببيئات الأعمال؛ هناك العديد من الأسباب التي تعيق حدوث المعاملة التبادلية بين الموظفين والمديرين بشكل مرغوب؛ كنقص الإشراف الإداري، وتدني مستوى الموارد والمحفزات المادية والمعنوية، وارتفاع معدلات دوران الموظفين،أو الاستغناء عنهم، وجميعها عوامل نابعة من مبادئ العدالة التنظيمية؛ كأساس جوهري ترتكز عليه كافة نظريات وقاعد العلاقات التنظيمية والاجتماعية.
ويمثل مبدأ “المعاملة بالمثل ” أنت تساعدني وأنا أساعد شخصًا آخر” أسلوبًا رئيسًا لإدارة الصورة الذهنية والسمعة؛ ينتهجه الأفراد والمنظمات؛ بشبكاتنا الاجتماعية، وبيئاتنا المؤسسية؛ بغية جني “مزايا إدارة الانطباعات والمشاعر ؛ كالامتنان، والتقدير، والثناء، وغيرها من التعبيرات ثنائية الاتجاه، وذاتية التعزيز؛ ومتنامية الأهمية؛ كي تستمر دورة التبادل الاجتماعي؛ وتواصل سريانها الطبيعي، وتفاعلها الإنساني؛ دون مفاوضات صريحة، أو عقود مكتوبة، أو اتصالات رسمية، أو وثائق رسمية.
ويكون الأشخاص أكثر ميلًا إلى تبني مبدأ “المعاملة بالمثل” بالنظم الاجتماعية والتنظيمية التي تدعم إستراتيجيات العمل الجماعي؛ حيث تؤدي الاتصالات والتفاعلات الشخصية المباشرة إلي التبادل السريع للمعلومات، وسرعة وسهولة نقلها والتماسها وانتشارها، فضلًا عن غزارة ووفرة الإشارات الاجتماعية الغنية بالرموز المرئية واللفظية.
ولا يمكن لهذه الإشارات والمحفزات أن تعمل بكفاءة وفاعلية؛ دون الاستعانة بوعاء تنظيمي داعم؛ يتمثل في الإطار المؤسسي والسياق الإداري الضابط للعلاقات التبادلية بين العاملية، من خلال إرساء قيم تنظيمية أصيلة؛ تعكس شفافية ونزاهة العلاقات، والتوزيع العادل للموارد.
في المقابل يحتاج أمر بناء الثقة بالتفاعلات الرقميية غير المتزامنة مثل:(المواقع الإلكترونية، والتطبيقات الرقمية، ووسائل التواصل الاجتماعي عبر الإنترنت) لمزيد من الوقت، والجهد؛ حيث تفتقر الإشارات غير اللفظية لمقومات التحفيز البشري، وهي بطبيعتها أكثر فاعلية وتأثيرًا من الإشارات الرقمية الأضعف ماديًا؛ كمعدلات الإعجاب، والتعليق، فضلًا عن بطء عمليات نقل وتبادل المعلومات؛ كونها لا تحتاج ردود أفعال فورية؛ ما يجعل أمر التواصل الفعلي أكثر طوعية واختيارية، لذا تكون العلاقات الضعيفة أكثر استعدادًا للمشاركة بالنقاشات عبر الوسائل الأقل تزامنًا.




