“جومو” واستعادة الهوية الذاتية

د. محمود فوزي
لا يمكن النظر للرضا عن الحياة؛ بوصفه حالة مطلقة ذات قيمة ثابتة، بل هو أمر شديد النسبية؛ يتأثر بالظروف الاجتماعية من جانب، والمتغيرات والسمات الشخصية للفرد من جانب آخر، ما يمكن تفسيره بالإشارة لمحفزات المنصات الرقمية من منشورات وأشكال تفاعلية متعددة؛ قد تثير مشاعر الإلهام والطموح لدى مستخدم، بينما تثبط وتنهك عزيمة شخص آخر.
وقد أفرز الاستهلاك السلبي لوسائل التواصل الاجتماعي مصدرًا جديدًا للسخط المجتمعي؛ حيث يتم استغلال ميولنا الطبيعية للمقارنة، من خلال تصدير القيم الرمزية الجوفاء بأغلب النوافذ الإعلامية المحيطة، والنتيجة توليد مشاعر مكتظة بالحرمان النسبي وتدني مستوى العدالة الاستهلاكية والرفاهية الذاتية، وهيمنة معاني الإحباط والأفكار الاجتماعية غير السوية مثل: الإرهاب، والعنف، حيث ترتبط السلوكيات الإجرامية- بعض الأحيان- بالفجوة المتزايدة بين القيود الاجتماعية والاقتصادية من جانب، واتساع آفاق التوقعات الاستهلاكية من جانب آخر.
فعندما يتعرض المستهلك المصاب بالحرمان النسبي والمقارنة الاجتماعية التصاعدية لسلع باهظة الثمن- لا يمكنه تحمل تكلفتها- فإنه لا يجد ملاذًا سوى الهروب، والانسحاب النفسي، والتفاعل الدفاعي، فتبدأ مشاعر الغضب والحرمان الظالم في الهيمنة على انفعالاته، ومن ثم السعى المستميت في تبرير هذا الاعتقاد؛ في ضوء مبررات غياب العدالة الاجتماعية؛ ما قد يؤدي إلى هيمنة مشاعر واضحة من الاكتئاب والإحباط، والاتجاه الانتقامي نحو رفض القنوات الاجتماعية الشرعية والمقبولة؛ لتحسين الظروف المعيشية، مثل التعليم، والعمل.
وعلى المستوى المؤسسي؛ عندما لا تراعي البيئة التنظيمية سيادة الاعتبارات المهنية والأخلاقية التي ينبغي أن تحكم طبيعة العلاقات والتفاعلات بين الموظفين؛ يحدث انتهاكًا للعقد النفسي؛ ما من شأنه خفض مستوى الثقة والروح المعنوية للعامل؛ حيث ترتبط تصوراته عن الشركة/ المؤسسسة بمعاني الظلم، والخداع، وازدواجية المعايير، والتعسف، والإيذاء الشخصي، وتعطيل الحياة، ومن ثم تتفشى مشاعر الإحباط، والغضب، والضغينة، والأنانية، والسعي نحو الانتقام، وإلقاء اللوم، وتغليب المصلحة الذاتية على الغايات المؤسسية ، وجميعها إفرازات للصراعات الإنسانية بالنظم الإدارية الفاسدة.
وقد كان للنظريات التنظيمية مشاركة بناءة في تفسير الأطر النفسية للفرد؛ حيث تفترض نظرية تقرير المصير أن الرفاهية الذاتية نابعة من تلبية احتياجات الاستقلالية، والتطوير المهني، والانتماء المؤسسي، بينما تشير نظرية العقد النفسي إلى اتجاه الموظفين نحو تقديم الالتزامات التنظيمية مقابل الحصول على مختلف أنماط الدعم، وتؤدي التبادلات النفسية الإيجابية إلى تشكيل علاقات عمل إيجابية، وجني موارد نفسية إيجابية، بينما ينجم عن التبادلات النفسية السلبية تشكيل علاقات عمل سلبية، وجني موارد نفسية ضارة؛ كالغيرة، والحقد، والضغينة، والحسد.
ولا يقتصر مفهوم الاستقلالية لنظرية تقرير المصير على البيئة المؤسسية، بل هو أحد الملامح الرئيسة لمتعة التخلي والاتجاه العمدي نحو فوات الفرص JoMO؛ كصمام أخلاقي وإنساني رشيد؛ لمحو الأمية الرقمية، وإشباع رغبة الفرد في تحسين أنماط تفاعله الاجتماعي، من خلال دحض عوامل التشتيت، ودرء الضغوط الاجتماعية الإلكترونية، والفرار الطوعي إلى احتضان العزلة، والتركيز على اللحظات الحياتية المعاصرة، والتحرر المتعمد من سباق المنافسات والمقارنات الاجتماعية؛ في محاولة لإعادة صياغة مفاهيم الإنجاز والتفوق؛ كونهما أكثر ارتباطًا بالتطوير الذاتي، وأقل ارتباطًا بالحضور الاجتماعي.





