الدعاية المستترة والاستدامة المرجوة

د.محمود فوزي
أشارت العديد من البحوث التسويقية إلى دور رأس المال الاجتماعي في التأثير الدعائي على اتجاهات الجمهور؛ حيث يمكن للمشاهير والمؤثرين عبر المنصات الرقمية؛ أن ينجحوا في تعديل مواقف، ومعتقدات، وتصرفات الجمهور؛ عندما يدرك هؤلاء المتلقين مقدار التشابه الوثيق بينهم وبين المشاهير، وما يقدمونه من معلومات صادقة وموثوقة، من خلال مشاركة بعض تفاصيلهم وتجاربهم الحقيقية والشخصية؛ لاسيما وإن كانت متوافقة مع قيم المجتمع، فضلًا عن تقديم نصائح قابلة للتنفيذ، ومتوافقة عاطفيًا مع احتياجات الجمهور، وتوقعات العملاء.
والأمر لا يقتصر بالطبع على اختيار الإستراتيجية التسويقية الفعالة لتوظيف المشاهير والمؤثرين؛ حيث تصبح هذه الأساليب الترويجية والدعائية عديمة القيمة؛ إن لم تراع مؤشرات الأداء القياسي؛ وفقًا لصحة وسلامة المنتجات، وجودة توزيعها، وسهولة شرائها، وشفافية معلوماتها، ومدى امتثالها لمعايير الاستدامة البيئية، واتساق سياساتها التسويقية مع التشريعات وكذا الأعراف المجتمعية، كما لا يختزل الأمر في المنطوق اللفظي لهذه النصائح والإرشادات؛ بل يكمن جوهر التأثير في تقديم الإجراءات وأوجه الدعم المادي للسلوكيات والتصرفات التي ينبغي حث المشاهدين على اتباعها، فضلًا عن انتقاء المنصة الإعلامية المناسبة لطبيعة أعمال الشراكة والرعاية للمنتجات والعلامات التجارية الواقعية ذات المصداقية العالية، التي تتوافق مع هوية وشخصية الوسيلة الإعلامية.
هذا التأثير الدعائي هو نتاج الاستثمار في رأس المال الاجتماعي الذي تشكلت محدداته من مقدار الثقة، والمصداقية المكونة عبر الفضاء الإلكتروني؛ لتنتج رصيدا معنويا من العلاقات الإنسانية الأصيلة، التي تمثل خط الدفاع الأول للسمعة الاتصالية، والصورة الذهنية التي تم بناؤها، ورسم ملامحها عبر السنين؛ فصارت وقودًا إستراتيجيًا يدير أزمات المنظمة، ويحقق لها مزيجًا فريدًا من المزايا والقدرات التنافسية الفائقة.
ويتسق منظور العلاقات الإنسانية مع منظور الموارد المادية؛ فكليهما يعكس ملامح الثقافة التنظيمية للأداء المؤسسي المستدام بشقيه: التسويقي، والاجتماعي؛ حيث تعد مبادرات المسئولية الاجتماعية، وبرامجها التنموية والريادية؛ بمثابة الرصيد التأميني الوقائي، الذي يدحض الشائعات، ويدرأ زيف الادعاءات، ويدمج العاملين في ثنايا المجتمع؛ كموارد بشرية خضراء ساعية نحو الاستدامة.. تلك الاستدامة المخططة؛ وفقًا لإستراتيجيات تسويقية راصدة لتوقعات المستهلكين، ومطلعة على معايير المنافسة العالمية.
لم تعد برامج المسئولية الاجتماعية رفاهية أو أمرًا استثنائيًا؛ بل ثقافة ابتكارية؛ تعيد تخطيط عناصر المزيج التسويقي؛ لاكتشاف فرص ترويجية ذات قيمة تسويقية نابعة من رحم سلوكيات المواطنة التنظيمية، التي يتحلى بها الموظفون، كي يتم صقلها، والتدريب عليها؛ من خلال الانخراط بالبرامج التنموية، وتهيئة مقومات المناخ النفسي الداعم لهذه السلوكيات والمهارات.




