آراء حرة

٢٣٥ عام علي تقليد بداية العام القضائي الجديد ..بقلم المستشار / مايكل نصيف — المحامي بالنقض

 

 

مع إشراقة الأول من أكتوبر، تستقبل مصر عامًا قضائيًا جديدًا، تتجدد معه آمال المتقاضين في إنصاف المظلوم، وترسيخ سيادة القانون، وإعلاء كلمة الحق، وتأكيد أن العدالة ليست مجرد أحكام تصدر من منصات القضاء، وإنما هي رسالة سامية، وأمانة عظيمة، وركيزة أساسية لاستقرار المجتمع وصون حقوق أفراده وحرياتهم.

إن بداية العام القضائي الجديد ليست مجرد موعد يتجدد في التقويم، ولا إجراءً تنظيميًا تتحدد به دورة العمل داخل المحاكم، بل هي مناسبة وطنية ومهنية نستحضر فيها عظمة القضاء، وقدسية رسالته، وما يتحمله القضاة ورجال القانون من مسؤولية في حماية الحقوق، والفصل في المنازعات، وإرساء دعائم العدل والمساواة بين الجميع، دون تمييز أو محاباة.

و يقصد ببداية العام القضائي افتتاح دورة قضائية جديدة تنتظم خلالها أعمال المحاكم والجهات القضائية وفق القواعد المنظمة لسير العمل القضائي، بما يشمل تنظيم الجلسات، وتوزيع العمل، ومباشرة القضايا، والفصل في المنازعات، ومتابعة تحقيق العدالة الناجزة التي لا تُخل بضمانات المحاكمة العادلة.

وهي كذلك فرصة لتجديد الالتزام بالمبادئ التي يقوم عليها القضاء، وفي مقدمتها استقلال السلطة القضائية، وحياد القاضي، واحترام حق الدفاع، وكفالة حق التقاضي، وتحقيق المساواة أمام القانون.

فالقضاء هو الملاذ الذي يلجأ إليه صاحب الحق طلبًا للإنصاف، وهو الحصن الذي يحتمي به المجتمع في مواجهة الاعتداء على الحقوق والحريات. ومن ثم، فإن كل عام قضائي جديد يحمل مسؤولية متجددة في صيانة هذه الثقة، وترسيخ الشعور بأن الحقوق لا تضيع، وأن القانون يظل المرجعية التي يحتكم إليها الجميع.

و ان اختيار الأول من أكتوبر تحديدًا لبداية العام القضائي، جاء من ارتباط هذه العادة ببداية عمل المحاكم في إنجلترا في الأول من أكتوبر عام ١٧٩١ ، ثم امتداد هذا التقليد إلى عدد من الأنظمة القضائية.

وفي مصر، استقر تنظيم العام القضائي على أن يبدأ في الأول من أكتوبر، وينتهي في الثلاثين من سبتمبر.

ويحقق هذا التنظيم إطارًا زمنيًا واضحًا لتوزيع العمل القضائي، وتنظيم الدوائر، ومباشرة الجلسات، وترتيب حركة العمل داخل المحاكم والجهات والهيئات القضائية، بما يتيح بدء دورة جديدة من العمل وفق الترتيبات القضائية المقررة.

وقد اكتسب الأول من أكتوبر مكانة خاصة في الحياة القضائية المصرية،

فقد أصبح هذا التاريخ يحمل دلالتين متكاملتين؛ فهو بداية دورة قضائية جديدة، ومناسبة وطنية لتقدير رسالة القضاء ورجاله، واستحضار ما تتطلبه هذه الرسالة من استقلال ونزاهة وتجرد والتزام بالقانون.

و إن استقبال عام قضائي جديد يضع أمام منظومة العدالة مسؤوليات متجددة، في مقدمتها تحقيق التوازن الدقيق بين سرعة الفصل في القضايا وضمانات المحاكمة العادلة، وبين إنجاز العمل القضائي وإتاحة الفرصة الكاملة لكل خصم لعرض دفاعه وتقديم أدلته.

فالعدالة الناجزة لا تعني مجرد سرعة إصدار الأحكام، وإنما تعني الوصول إلى حكم عادل في وقت مناسب، بعد تمحيص الوقائع، وفهم صحيح للقانون، واحترام كامل لحقوق الدفاع.

كما أن تطوير منظومة العدالة لم يعد مقصورًا على تحديث المباني أو زيادة الإمكانات البشرية، بل يمتد إلى تطوير الإجراءات، والاستفادة من التكنولوجيا، وتيسير وصول المواطنين إلى الخدمات والمعلومات القانونية، وتخفيف الأعباء الإجرائية التي قد تعوق حصول أصحاب الحقوق على حقوقهم. وقد أكدت الدولة المصرية، في مناسبات رسمية متعلقة بيوم القضاء، أهمية تطوير آليات العمل القضائي والتطبيقات التكنولوجية لتيسير الإجراءات وتسريع الفصل في المنازعات.

وتظل ثقة المواطن في القضاء من أهم مقومات استقرار المجتمع؛ فكلما شعر المتقاضي بأن حقه مصون، وأن دعواه تُنظر بموضوعية، وأن ميزان العدالة لا يميل إلا إلى حكم القانون، تعززت ثقته في مؤسسات الدولة وترسخت لديه قيمة احترام القانون.

ومن هنا، فإن العام القضائي الجديد يمثل فرصة لمواصلة تطوير الأداء، ومعالجة التحديات، وتعزيز التعاون بين جميع أطراف العدالة، بما يحقق المصلحة العامة ويحفظ كرامة الإنسان وحقوقه.

و منها تأتي رسالة المحاماة ودورها في إرساء العدالة

وفي هذه المناسبة، لا يمكن الحديث عن منظومة العدالة دون التأكيد على الدور الأصيل الذي تضطلع به مهنة المحاماة، باعتبارها شريكًا رئيسيًا في تحقيق العدالة، وصوتًا قانونيًا يدافع عن الحقوق والحريات، وركنًا من أركان ضمانات التقاضي والمحاكمة العادلة.

فالمحاماة ليست مجرد مهنة لمباشرة الدعاوى وتقديم المذكرات وحضور الجلسات، بل هي رسالة تقوم على العلم بالقانون، والإخلاص للحق، واحترام القضاء، والالتزام بأمانة الدفاع.

والمحامي، وهو يقف أمام منصة القضاء، لا يدافع عن مصلحة موكله فحسب، بل يؤدي واجبًا مهنيًا يقتضي منه عرض الحقيقة القانونية بموضوعية، وتقديم أوجه الدفاع بأمانة، واحترام القواعد الإجرائية، والإسهام في الوصول إلى حكم يوافق صحيح القانون.

كما أن العلاقة بين القاضي والمحامي، رغم اختلاف الدور الذي يؤديه كل منهما، تقوم على الاحترام المتبادل والتكامل في أداء رسالة العدالة؛ فالقاضي يفصل في النزاع باستقلال وتجرد، والمحامي يعرض دفاع موكله ويكشف أوجه الحق في الدعوى، وكل ذلك في إطار القانون وضمانات التقاضي.

إن قوة منظومة العدالة لا تتحقق بجهد مؤسسة واحدة، وإنما بتكامل أدوار القضاة وأعضاء النيابة العامة والمحامين وسائر العاملين في المجال القضائي، مع التزام كل طرف بواجباته المهنية والأخلاقية.

و اخيرا إن بداية كل عام قضائي تحمل في طياتها تطلعات المواطنين إلى عدالة أكثر فاعلية، وإجراءات أكثر يسرًا، وأحكام تفصل في المنازعات وفق صحيح القانون، وتحفظ الحقوق، وتصون الحريات.

وهي مناسبة للتأكيد على أن سيادة القانون ليست شعارًا يُرفع، وإنما مبدأ يُترجم إلى واقع ملموس، يشعر به المواطن في معاملاته، ويحتمي به صاحب الحق، ويطمئن إليه كل من يلجأ إلى القضاء طلبًا للإنصاف.

كما أن استقلال القضاء وحياده ونزاهته تمثل ضمانات جوهرية لتحقيق العدالة، وتقتضي احترام الأحكام القضائية والالتزام بتنفيذها وفقًا للقانون، بما يعزز هيبة الدولة وسيادة مؤسساتها.

وفي ظل ما يشهده العالم من تطورات متلاحقة، وما تفرضه الحياة المعاصرة من منازعات قانونية متجددة، تبرز أهمية مواصلة تطوير الفكر القانوني، والارتقاء بالتأهيل المهني، وتحديث وسائل العمل، مع التمسك بالمبادئ الراسخة التي لا تتغير بتغير الزمن، وفي مقدمتها أن العدل أساس استقرار المجتمعات، وأن حماية الحقوق هي جوهر دولة القانون.

كلمة أخيرة

إننا، ونحن نستقبل عامًا قضائيًا جديدًا، لا نحتفي بمجرد بداية زمنية لدورة عمل جديدة، بل نجدد العهد مع قيمة إنسانية عظيمة، هي العدالة؛ تلك القيمة التي لا تستقيم حياة المجتمعات دونها، ولا يكتمل معنى القانون إلا بتحقيقها.

كل التقدير والاحترام لقضاة مصر الأجلاء، حماة العدالة وحراس سيادة القانون، والتحية لكل من يحمل أمانة الدفاع عن الحقوق، ويسهم بعمله وعلمه وضميره في إعلاء كلمة الحق.

نسأل الله أن يكون عامًا قضائيًا موفقًا، تتعزز فيه ضمانات العدالة، وتُصان فيه الحقوق والحريات، وتُحسم فيه المنازعات وفق صحيح القانون، وأن تظل منصات القضاء منارات للحق، وحصونًا للإنصاف، وملاذًا لكل مظلوم.

فمع بداية عام قضائي جديد، تتجدد الأمانة، وتسمو الرسالة، ويبقى العدل غايةً لا تتقدم عليه .