آراء حرة

حين يسبق الإعلامُ التحقيقات.. من يحمي الحقيقة؟

بقلم: أسماء محمود ✍️

في الوقت الذي يفترض أن يكون فيه الإعلام الرقمي ناقلًا للحقيقة، ومصدرًا للمعلومات الموثوقة، تتحول بعض المنصات أحيانًا إلى ساحة مفتوحة للتكهنات والتحقيقات الموازية في القضايا المجتمعية والجنائية، فتُطرح الروايات والاتهامات أمام الجمهور قبل أن تقول جهات التحقيق كلمتها الأخيرة.

ومع سرعة انتشار المحتوى الرقمي، قد يجد الرأي العام نفسه أمام قصة مكتملة التفاصيل في ظاهرها، لكنها في الحقيقة لا تستند إلى نتائج تحقيق نهائية، وإنما إلى روايات متداولة أو معلومات غير مكتملة، الأمر الذي يفتح الباب أمام تكوين انطباعات وأحكام قد لا تكون لها علاقة بالحقيقة التي ستكشفها التحقيقات لاحقًا.

القضايا الجنائية لا تُحسم بمنشور على مواقع التواصل الاجتماعي، ولا بمداخلة إعلامية، ولا برواية طرف واحد، مهما بدت مقنعة أو حظيت بانتشار واسع.

هناك تحقيقات تُجرى، وأدلة تُفحص، وشهادات تُسمع، وتقارير فنية تُراجع، وروايات متعددة يتم التحقق منها ومقارنتها، وفي النهاية تبقى جهات التحقيق والقضاء هي صاحبة الاختصاص في الوصول إلى الحقيقة وتحديد المسؤولية.

المشكلة أن البعض يتعامل مع التفاعل الجماهيري وكأنه بديل عن التحقيق، فيبدأ تداول الاتهامات، وتحليل تفاصيل القضية، وتوجيه أصابع الاتهام إلى أشخاص قد لا تثبت التحقيقات في النهاية أي مسؤولية عليهم.

وهنا يصبح السعي وراء المشاهدات والترندات خطرًا حقيقيًا عندما يتجاوز حدود المهنة، لأن كل مشاهدة إضافية لا تبرر المساس بسمعة إنسان، ولا تبرر الخوض في أعراض المتهم أو المجني عليه، ولا تمنح أحدًا الحق في إصدار أحكام قبل اكتمال الأدلة.

الإعلام المهني لا يعني أن نكون أول من يتحدث عن القضية فقط، وإنما أن نكون أول من ينقل المعلومة الصحيحة، وأن نميز بوضوح بين ما هو مؤكد وما هو مجرد رواية أو ادعاء.

نحن نبحث عن أقرب مصدر موثوق إلى الحدث، ونتابع ما يصدر عن الجهات المختصة، وننتظر اكتمال الصورة قبل تقديمها للجمهور، لأن نقل الحقيقة مسؤولية، وليس مجرد سباق مع الآخرين للحصول على أكبر عدد من المشاهدات.

ومن هنا تأتي أهمية أن يدرك الزملاء في وسائل الإعلام أن ترك التحقيقات لأصحابها لحين انتهائها ليس تراجعًا عن الدور الإعلامي، وإنما احترام للمهنة وللقانون ولحقوق جميع أطراف القضية.

فلا يجوز أن نرمي متهمًا باتهامات قبل أن تثبت مسؤوليته، ولا أن نحكم على بريء قبل فحص الأدلة كافة، ولا أن نحاصر جهات التحقيق برأي عام جرى تشكيله مسبقًا بناءً على رواية واحدة قد تتغير تفاصيلها بالكامل بعد ساعات.

إن صناعة الرأي العام مسؤولية كبيرة، ولا ينبغي أن تتحول إلى وسيلة للضغط أو الإثارة أو تحقيق نسب مشاهدة أعلى، خصوصًا في القضايا التي تمس سمعة الأشخاص وحياتهم وحقوقهم وحرياتهم.

السبق الصحفي مهم، لكنه لا يكون قيمة حقيقية إذا كان ناقصًا أو غير دقيق. أما العدالة فتبقى أهم، وحقوق الناس وسمعتهم ليست سلعة في سباق المشاهدات، وليست مادة للترند.

رسالة الإعلام في الأساس هي كشف الحقيقة، لا أن يسبقها، ولا أن يصنعها، ولا أن يصدر أحكامًا نيابة عن أصحاب الاختصاص.

وفي زمن السرعة، ربما يكون التمهل أحيانًا هو عين المهنية، لأن خبرًا صحيحًا بعد اكتمال المعلومات أفضل من سبق سريع يترك وراءه ظلمًا أو تشويهًا يصعب إصلاح آثاره.