«الرقابة المالية» تضع اللمسات الأخيرة لتفعيل الشورت سيلينج في البورصة المصرية.. تفاصيل النظام الجديد وضوابط الإقراض والضمانات

أعلنت الهيئة العامة للرقابة المالية التفاصيل الفنية والتنظيمية لآلية «الشورت سيلينج» أو اقتراض الأوراق المالية بغرض بيعها، بعد إصدار مجلس إدارة الهيئة برئاسة الدكتور إسلام عزام القرار رقم 155 لسنة 2026، لتنظيم مزاولة عمليات بيع الأوراق المالية المقترضة، تمهيدًا لبدء التطبيق الفعلي للآلية في البورصة المصرية خلال الفترة المقبلة.
ويأتي القرار بعد سلسلة من المناقشات والجلسات الحوارية التي جمعت الهيئة بالبورصة المصرية وشركة مصر للمقاصة وشركات السمسرة ومختلف الأطراف العاملة في سوق رأس المال، بهدف وضع إطار تنظيمي يوازن بين إتاحة أداة استثمارية جديدة وتعزيز الرقابة وحماية استقرار السوق.
ويُنظر إلى القرار باعتباره خطوة جديدة في مسار تطوير أدوات سوق رأس المال، خاصة بعد تدشين سوق المشتقات المالية في مارس الماضي، وتنظيم نشاط صناديق التحوط والسماح بتأسيسها لأول مرة، بما يتيح لها استخدام أدوات استثمارية أكثر تنوعًا، من بينها «الشورت سيلينج» والمشتقات المالية.
ما هو «الشورت سيلينج»؟
تعتمد الآلية الجديدة على وجود طرفين رئيسيين، الأول هو المُقرض، وهو المستثمر الذي يمتلك أوراقًا مالية ويرغب في إتاحتها للإقراض، والثاني هو المُقترض، وهو المستثمر الذي يتوقع انخفاض سعر سهم معين، فيقترضه ثم يبيعه في السوق بالسعر الحالي.
وفي حال انخفض سعر السهم بالفعل، يستطيع المقترض شراء الأسهم مرة أخرى بسعر أقل، وردها إلى المُقرض، محققًا ربحًا يتمثل في فارق السعر، بعد خصم تكلفة الاقتراض.
أما إذا ارتفع سعر السهم بدلًا من انخفاضه، فسيتعين على المقترض إعادة شراء الأوراق المالية بسعر أعلى، وهو ما يؤدي إلى تحقيق خسارة، إضافة إلى تكلفة الاقتراض.
وفي المقابل، يحصل المُقرض على عائد مقابل إتاحة أوراقه المالية للإقراض، مع استمرار تمتعه بالحقوق والمزايا المرتبطة بملكية الأوراق المالية وفقًا للقواعد المنظمة.
«نظام الإقراض المركزي».. قلب المنظومة الجديدة
أحد أبرز ملامح القرار هو استحداث نظام الإقراض المركزي الذي تتولى شركة الإيداع والقيد المركزي «مصر للمقاصة» إنشاءه وإدارته.
ويضم النظام أرصدة الأوراق المالية المتاحة للإقراض، ويعمل على توثيق مختلف مراحل عمليات الاقتراض والإقراض، بدءًا من عرض الأوراق المالية المتاحة، مرورًا ببيانات المقرضين والمقترضين والكميات ومدد الإقراض ومعدلاته، وصولًا إلى عمليات إغلاق المراكز المفتوحة.
ويهدف النظام إلى تحقيق قدر أكبر من الشفافية والحوكمة، مع إتاحة اطلاع العميل المقترض على جميع عروض الإقراض المتاحة، بما يسمح له باختيار العرض الذي يتناسب مع أهدافه الاستثمارية.
كما يتيح للمقرض الاطلاع على عروض الإقراض المسجلة من خلال النظام.
40% الحد الأقصى لإجمالي الإقراض
حدد القرار الجديد عددًا من الضوابط الكمية لمنع التوسع المفرط في عمليات الإقراض.
ومن أبرز هذه الضوابط ألا تتجاوز الأوراق المالية المتاحة للإقراض 40% من إجمالي عدد الأوراق المالية حرة التداول للشركة المقيدة.
كما لا يجوز أن تتجاوز نسبة ما يقترضه العميل الواحد والأشخاص المرتبطة به 2% من إجمالي عدد الأوراق المالية حرة التداول للشركة المقيدة.
وحدد القرار كذلك نسبة تصل إلى 5% كحد أقصى للعقود المباشرة المبرمة بين شركة السمسرة والمُقرض والمُقترض، والتي تحتفظ بها شركة السمسرة تحت مسؤوليتها.
50% حد أدنى لهامش الضمان
ألزم القرار شركات السمسرة بالحصول من المقترض على هامش ضمان نقدي لا يقل عن 50% من القيمة السوقية للأوراق المالية المقترضة قبل تنفيذ عملية الاقتراض.
ويتم إيداع هامش الضمان في حساب مستقل مخصص لعمليات الاقتراض بغرض البيع، مع السماح باستثمار الهامش النقدي لصالح المقترض وفقًا للضوابط المحددة.
كما يمكن السماح بتقديم ضمان غير نقدي وفق القواعد المنظمة، مع التأشير بالحجز على الأوراق أو الأدوات المالية المقدمة كضمان.
متى يحدث الـ«Margin Call»؟
وضع القرار آلية محددة للتعامل مع انخفاض قيمة الضمانات.
فإذا انخفضت قيمة إجمالي الضمان إلى 140% من القيمة السوقية للأوراق المالية المقترضة، يتعين على شركة السمسرة تفعيل آلية «Margin Call»، وإخطار العميل بضرورة زيادة إجمالي الضمان إلى 150% خلال يومي عمل من تاريخ إخطاره.
وخلال هذه الفترة، يُحظر على العميل الدخول في معاملات اقتراض جديدة إلى حين إعادة الضمان إلى النسبة المحددة.
وفي حال عدم قيام العميل بزيادة الضمان خلال المهلة المحددة، تلتزم شركة السمسرة برد الأوراق المالية المقترضة دون الرجوع إليه.
ضوابط صارمة على شركات السمسرة
وضع القرار مجموعة من الشروط لمزاولة شركات السمسرة نشاط «الشورت سيلينج»، من بينها ألا يقل صافي حقوق المساهمين عن 5 ملايين جنيه، وترتفع إلى 10 ملايين جنيه للشركات التي ترغب في مزاولة كل من الشراء بالهامش و«الشورت سيلينج».
كما يشترط ألا يقل متوسط نسبة صافي رأس المال السائل عن 15% خلال الأشهر الستة السابقة على تقديم طلب مزاولة النشاط.
وتتضمن الشروط أيضًا توافر البنية التكنولوجية اللازمة، ونظم الرقابة الداخلية والمراجعة المالية، وسجل للعمليات وحفظ المستندات، إلى جانب تخصيص مسؤول واحد على الأقل لعمليات «الشورت سيلينج».
مسؤوليات شركة السمسرة
ألزم القرار شركات السمسرة بإعداد وإدارة نظام متكامل لحسابات العملاء المقترضين، وتوثيق جميع مراحل وإجراءات العمليات، إلى جانب إبرام عقد مع العميل وفق نموذج استرشادي تصدره الهيئة.
كما يتعين على شركة السمسرة التحقق من قدرة العميل على الوفاء بالتزاماته، ومراعاة ملاءمة حجم الاقتراض مع ملاءته المالية وأهدافه الاستثمارية.
ووضع القرار كذلك ضابطًا لسعر بيع الأوراق المالية المقترضة، بحيث يكون أعلى من آخر سعر للتداول، أو مساويًا له بشرط أن يكون آخر تغيير في سعر التداول قد تم بالزيادة.
دور «مصر للمقاصة»
تتولى شركة الإيداع والقيد المركزي مسؤوليات محورية داخل المنظومة الجديدة، أبرزها متابعة حدود ونسب الإقراض والاقتراض والتأكد من عدم تجاوز الحدود المقررة.
كما تحتفظ بكامل حصيلة بيع الأوراق المالية المقترضة، وتستثمرها لصالح المُقرض اعتبارًا من تاريخ التسوية، وفق أدوات الاستثمار التي تحددها الهيئة.
وتلتزم الشركة كذلك بسداد معدل الإقراض وعائد الاستثمار للمُقرض خلال يومي عمل من إغلاق المركز.
كما تتولى تقييم الأوراق المالية المقترضة وإجمالي الضمان في نهاية كل يوم عمل على أساس آخر سعر إقفال للورقة المالية، واتخاذ الإجراءات اللازمة لرد الأوراق إلى المُقرض إذا لم تقم شركة السمسرة بذلك.
ماذا يحدث عند ارتفاع سعر السهم؟
في حال ارتفاع سعر الأوراق المالية المقترضة، تتم تسوية الفارق بصورة يومية من حساب التسوية الخاص بشركة السمسرة، مع تطبيق القواعد الخاصة باستثمار المبالغ التي تزيد على حصيلة البيع.
أما إذا انخفض السعر بعد ارتفاعه، فيتم رد الفارق في القيمة السوقية إلى شركة السمسرة وفقًا للقواعد المحددة في القرار.
وتعكس هذه الآلية محاولة وضع نظام مستمر لإدارة المخاطر، بحيث تتم متابعة المراكز والضمانات بصورة دورية بدلًا من انتظار انتهاء العملية.
حقوق المُقرض لا تضيع
أكد القرار استمرار تمتع المُقرض بالحقوق والمزايا المرتبطة بالأوراق المالية المقترضة، بما في ذلك توزيعات الأرباح النقدية والعينية وحقوق الاكتتاب وغيرها من الحقوق.
كما يكون حق التصويت لمالك الورقة المالية في تاريخ انعقاد الجمعية العامة.
وتتولى شركة الإيداع والقيد المركزي تعديل كمية الأوراق المالية المقرضة والمقترضة في الحالات التي تؤثر فيها الحقوق والمزايا المرتبطة بالأوراق على إجمالي الكمية المصدرة، سواء بالزيادة أو النقصان.
كيف يتم إغلاق المركز المفتوح؟
يمكن للمقترض إنهاء عملية الاقتراض بغرض البيع، بصورة كلية أو جزئية، من خلال رد الأوراق المالية المقترضة من الرصيد المتاح له من السهم ذاته.
كما يمكنه إغلاق العملية من خلال شراء الكمية المطلوبة من حصيلة البيع، وفي حال عدم كفاية الحصيلة، يتم استكمال المبلغ من حساب التسوية الخاص بشركة السمسرة.
وفي حال عدم رد الأوراق المالية في الموعد المحدد، تتولى شركة السمسرة ردها وفق توقيتات التسوية.
وإذا لم تقم شركة السمسرة بذلك، تتدخل شركة الإيداع والقيد المركزي لاتخاذ الإجراءات اللازمة ورد الأوراق من ذات شركة السمسرة وتحويلها إلى حساب المُقرض لإغلاق المركز المفتوح.
حماية السوق من المخاطر
منح القرار الهيئة العامة للرقابة المالية مجموعة من الصلاحيات للتدخل بهدف الحفاظ على استقرار السوق وحماية المتعاملين.
وتشمل هذه الصلاحيات استبعاد أوراق مالية من قائمة الأوراق المسموح بإجراء عمليات «الشورت سيلينج» عليها، وتعديل نسب الخصم على الضمانات، ومنع بعض العملاء أو شركات السمسرة من تنفيذ عمليات جديدة لفترة محددة.
كما يجوز للهيئة إلغاء الموافقة الممنوحة لشركة السمسرة لمزاولة النشاط وفقًا للقواعد المنظمة.
الخطوات المقبلة قبل بدء التطبيق
رغم صدور الإطار التنظيمي، فإن بدء التطبيق الفعلي يتطلب استكمال عدد من الإجراءات الفنية.
وتتولى شركة الإيداع والقيد المركزي إعداد الإجراءات الفنية اللازمة لتنفيذ القرار، على أن تعتمد من رئيس الهيئة قبل بدء سريانها.
كما يجري التنسيق بين البورصة المصرية وشركة الإيداع والقيد المركزي لإعداد وتجهيز النظم الآلية والمتطلبات الفنية، مع استخدام الربط الآلي بين نظام التداول ونظام الإقراض المركزي.
ومنحت الهيئة شركات السمسرة الحاصلة على موافقة لمزاولة «الشورت سيلينج» مهلة شهر لتوفير البنية التكنولوجية المطلوبة وفقًا لما تحدده الهيئة وتوافق عليه.
متى يبدأ «الشورت سيلينج» في البورصة المصرية؟
يمثل القرار الإطار التنظيمي الذي يمهد لبدء التطبيق الفعلي لآلية بيع الأوراق المالية المقترضة في البورصة المصرية، لكن التنفيذ يرتبط باستكمال التجهيزات الفنية واعتماد الإجراءات التنفيذية.
ومن المقرر نشر القرار خلال أيام في الوقائع المصرية وعلى الموقع الإلكتروني للهيئة، على أن يبدأ العمل به من اليوم التالي لتاريخ نشره.
وبذلك تدخل البورصة المصرية مرحلة جديدة في تطوير أدوات التداول وإدارة الاستراتيجيات الاستثمارية، مع وضع حدود واضحة لحجم الإقراض والاقتراض والضمانات، وآليات للتدخل وإغلاق المراكز، بما يستهدف تحقيق التوازن بين إتاحة أداة استثمارية جديدة والحفاظ على استقرار السوق وحماية حقوق المتعاملين.





