قراءة نقدية في المجموعة القصصية “الرجل الذي ضاع في الشمس” للكاتبة بسمة شيخو
د. طارق العريفي يكتب

إزاحة الإنسان من مركز السرد – تزعزع مركزية الإنسان والانفتاح على ذوات أخرى.
قراءة نقدية حول رؤية سردية ما بعد حداثية .
ظلّ الإنسان، في جانب واسع من تاريخ السرد، يحتل موقع المركز، فهو الشخصية التي تفعل، وتفكر، وتحب، وتصنع الأحداث، بينما تأتي الطبيعة والحيوان والأشياء في مرتبة ثانوية، تؤدي غالبا وظيفة المكان أو الخلفية أو الرمز الذي يخدم التجربة الإنسانية. غير أن السرد الحديث، وخاصةً أكثر اتجاهاته راديكالية في ما بعد الحداثة، أخذ يعيد النظر في هذا التراتب، ويشكّك في الامتياز الذي مُنح للإنسان كمركزٍ وحيد لإنتاج المعنى.

ومن هنا برزت إزاحة المركز الإنساني أو نقد المركزية الإنسانية كإحدى السمات التي يمكن أن تتقاطع فيها السرديات ما بعد الحداثية مع الفلسفة ما بعد الإنسانية والنقد البيئي ودراسات الحيوان والمادية الجديدة. فالمسألة لم تعد مجرد أن يجعل الكاتب حيوانا يتكلم أو شجرة تشعر؛ وإنما أن يُعيد تشكيل العلاقة بين الإنسان وغير الإنسان، بحيث لا يعود الأخير مجرد مادة صامتة في العالم الإنساني، وإنما يصبح فاعلا سرديا، أو منظورا، أو قوة تؤثر في مجرى الحكاية وإنتاج دلالتها.
ويُقدّم الأدب العالمي عند فرانز كافكا نموذجا مبكرا بالغ الأهمية لهذه المسألة؛ ففي “المسخ” يتحول غريغور سامسا، منذ افتتاحية العمل، إلى حشرة أو كائن هوامي ضخم، ومن السهل أن تُقرأ القصة باعتبارها استعارة عن الاغتراب الإنساني أو الاستغلال أو العزلة الاجتماعية، وهي قراءات مشروعة ومشهورة.
وفي “مزرعة الحيوانات” لجورج أورويل، نجد مثالًا آخر، وإن كان مختلفًا في طبيعته. فتحتل الحيوانات مركز الحكاية، وتتولى إدارة المزرعة، وتتحدث، وتفكر، وتتصارع على السلطة.
وتتخذ المسألة شكلا أكثر تعقيدا في الأدب البيئي المعاصر، ومن أبرز الأمثلة رواية ” الأشجار العظيمة” عام 2018، لريتشارد باورز؛ ففي هذه الرواية تصبح الأشجار أكثر من مجرد خلفية طبيعية لحياة الشخصيات البشرية؛ إذ يعاد تنظيم السرد بحيث تصبح الأشجار وشبكاتها البيئية جزءا أساسيا من البنية الدلالية. حيث يبدو النص وكأنه يمنح الطبيعة استقلالا، لكنه في الحقيقة قد يكون يستخدمها فقط لتقول شيئًا عن الإنسان؛ فإذا كانت الشجرة لا تتكلم إلا لكي تعبر عن حزن الإنسان، والبحر لا يتحرك إلا ليجسد صراع الإنسان، والحيوان لا يظهر إلا رمزا لسياسة الإنسان، فإن الإنسان لم يغادر المركز تماما؛ ولهذا فإن الدراسات ما بعد الإنسانية الحديثة تحاول تجاوز اختزال الحيوان والطبيعة في مجرد استعارات بشرية، وتسعى إلى قراءة الكائنات غير البشرية بوصفها حضورا وفاعلية وعلاقات قائمة بذاتها.
إن إزاحة الإنسان من مركز السرد تمثل تحولا عميقا في وظيفة الأدب وفي مفهوم الشخصية السردية؛ فبعد أن كان العالم يُبنى في كثير من الأحيان بوصفه عالما إنسانيا تُحيط به الطبيعة، بدأت بعض السرديات الحديثة والمعاصرة في إعادة ترتيب هذا العالم، بحيث يصبح الإنسان جزءا من شبكة أوسع من الكائنات والقوى والعلاقات.
وفي مجموعتها القصصية “الرجل الذي ضاع في الشمس” تقدم بسمة شيخو تجربة سردية لافتة تتكئ على التخييل والرمز، وتعيد النظر في العلاقة التقليدية بين الإنسان والعالم المحيط به؛ فالقارئ لا يجد في جميع القصص الإنسانَ بوصفه المركز المطلق للحدث، وإنما يلتقي بكائنات وعناصر طبيعية وأشياء تتحول إلى ذوات سردية قادرة على الحب والرغبة والانتظار والألم والاختيار، إلى جانب حضور الإنسان نفسه في قصص أخرى.
وتتكون المجموعة من ست قصص هي: “سحابة صيف”، “شكرا”، و”عندما ضعت في الجدار”، و”ميلاد سعيد”، و”ضفيرة”، و”الرجل الذي ضاع في الشمس”. ومن خلال هذه العناوين والبنى الحكائية تتشكل عوالم تتجاور فيها السحابة والورقة والجدار والشمس والمرآة والضفيرة والإنسان، بحيث يصعب أحيانا الفصل الحاد بين الواقعي والمتخيل، أو بين الحي والجامد، أو بين الإنسان والعالم الذي يحيط به.
ومن هنا يمكن قراءة المجموعة في ضوء الرؤية السردية ذات النزعة ما بعد الحداثية، ولا سيما من جهة زحزحة المركز الإنساني، وتفكيك الحدود التقليدية بين الإنسان وغير الإنسان، وإسناد الفاعلية السردية إلى الطبيعة والأشياء. غير أن هذا البعد لا يلغي حضور الإنسان، ولكنه يعيد صياغة موقعه؛ فالإنسان لا يختفي من العالم القصصي، وإنما يفقد احتكاره لإنتاج المعنى.
إنّ من أبرز السمات التي تمنح المجموعة خصوصيتها أن الكاتبة لا تلتزم بالنموذج السردي الذي يجعل الإنسان الشخصية الوحيدة القادرة على الوعي والفعل؛ ففي “سحابة صيف” تصبح السحابة عاشقة للقمر، تلاحقه في سماء الصيف، وتخفي حبها عنه وعن الآخرين. وفي “شكرًا” تتحول ورقة الشجر إلى أمّ لها مشاعرها ومخاوفها وأمنياتها تجاه ابنها. وفي الحكاية التي تتخذ من قطرة الماء بطلة لها، تصبح القطرة ذاتاً واعية بأزمتها، باحثة عن هويتها، راغبة في اكتشاف العالم وخوض تجربة الحرية.
وهنا لا يعود التشخيص مجرد وسيلة بلاغية تمنح الطبيعة صفات الإنسان، بل يتحول إلى استراتيجية سردية تعيد توزيع البطولة بين الإنسان وغير الإنسان.
إن السحابة لا تظهر كصورة جمالية عابرة في السماء، وإنما تصبح شخصية عاشقة؛ والورقة ليست مجرد عنصر من عناصر الشجرة، هي أمّ تعاني من مصير ابنها؛ والقطرة ليست جزءا هامشيا من البحر، إنها ذات تبحث عن معنى وجودها.
وبذلك تنتقل الطبيعة من موقع الموضوع الذي يصفه الإنسان إلى موقع الذات التي تتكلم وتفعل وتشعر، وهذا التحول هو أحد المداخل المهمة لقراءة المجموعة قراءة ما بعد حداثية.
نعلم أنّ التشخيص تقنية قديمة في الأدب، وقد عرفت الحكايات والأساطير والأمثال منذ أزمنة بعيدة إسناد الكلام والإرادة إلى الحيوان والنبات والجماد. لذلك لا يكفي القول إن استخدام السحابة أو الورقة أو القطرة شخصيات يجعل المجموعة ما بعد حداثية.
إن أهمية تجربة بسمة شيخو تكمن في أن التشخيص يبدو جزءا من بناء الشخصية والحكاية معا؛ فالسحابة لا تُشخَّص لمجرد إنتاج صورة شعرية، وإنما تُمنح قصة عاطفية كاملة.
والورقة لا تتكلم فحسب، ولكنها تدخل في علاقة أمومة مع ورقة أخرى، وتعيش تجربة الفقد. والقطرة تمتلك سيرة داخلية وصراعا وإرادة وقرارا. وهنا يتحول الكائن الطبيعي إلى فاعل سردي، أي إلى عنصر يستطيع أن يدفع الحدث وأن ينتج المعنى، لا إلى مجرد استعارة تابعة للإنسان. ومن ثم فإن القيمة الجمالية للتشخيص في المجموعة تتجاوز التزيين البلاغي؛ لأنه يصبح وسيلة لتغيير مركز الرؤية نفسها.
وتقدم “سحابة صيف” نموذجا واضحا لهذا التحول، فالسحابة تحب القمر، وتُلاحقه في سماء الصيف، لكنها تُخفي حبها عن الآخرين. والمفارقة أن الآخرين حين يرونها تلاحق القمر لا يعرفون سرّها، وإنما يكتفون بوصفها بأنها “سحابة صيف وتمر”.
وتنشأ هنا دلالة تتجاوز الحكاية المباشرة؛ فالآخرون يرون الشكل، بينما تُخفي الشخصية عالمها الداخلي. وقد يكون هذا من أكثر عناصر القصة إنسانية، رغم أن بطلتها ليست إنسانا؛ إذ تستحضر السحابة تجربة الحب الخفي، والرغبة في القرب، والخوف من انكشاف الشعور، لكن اختيار السحابة بدل الإنسان يحقق مسافة فنية تسمح للكاتبة بأن تعيد صياغة تجربة عاطفية مألوفة من منظور غير مألوف.
وهكذا تصبح الطبيعة مرآة للإنسان كما تصبح قادرة على امتلاك تجربتها الخاصة داخل النص. في “شكرا” تبلغ لعبة التشخيص مستوى أكثر عمقا؛ إذ تصبح ورقة الشجر أمّا، ويصبح ابنها موضوعا لعاطفة الأم وتوقعاتها، وتتمنى الورقة أن يكون ابنها جميلا وقويا، وأن تحبه العصافير وتصادقه الفصول. وهذه الرغبات تجعل الشخصية الطبيعية حاملة لقيم إنسانية مألوفة، “الأمومة، والأمل، والخوف على الابن، والتعلق به”.
لكنّ لحظة اقتلاع الابن من غصنه وسقوطه على الأرض تقلب الأمل إلى ألم، فتتمنى الأم أن تلحق به. وحين ترى الكاتبة ذلك في منامها، تستجيب لرغبتها وترمي الورقة على الأرض، لتأتي كلمة “شكرا” خاتمة للمشهد. تكتسب هذه النهاية قوتها من بساطتها؛ إذ يصبح السقوط، الذي يبدو في الظاهر فعلا مؤلما، فعلا من أفعال الوفاء والمشاركة الوجدانية.
وإذا كانت القصة تتحدث ظاهريا عن أوراق الشجر، فإنها تستعيد موضوعا إنسانيا عميقا هو الأم التي لا تحتمل أن تعيش في عالم منفصل عن ابنها، لكن الكاتبة لا تقول ذلك مباشرة؛ وإنما تنقل التجربة إلى عالم النبات، فتمنحها طابعا رمزيا أكثر رحابة.
وفي قصة “عندما ضعت في الجدار” نجد تداخل الذات والمكان، حيث تنتقل المجموعة إلى صيغة مختلفة، إذ تصبح الكاتبة نفسها بطلة، ويشاركها الجدار في المسجد الأموي، الذي يحمل لوحة طبيعية خضراء، هنا يحدث تحول من تشخيص الطبيعة إلى تشييء التجربة الإنسانية أو إدخال الذات في المكان؛ فالجدار ليس مجرد مكان تجري فيه الحكاية، وإنما يصبح طرفا في العلاقة السردية.
والضياع في الجدار يمكن أن يقرأ بوصفه صورة عن ذوبان الذات في الذاكرة والمكان والتاريخ. إن المكان هنا لا يؤدي وظيفة جغرافية فقط؛ إنه يمتلك ذاكرة رمزية، وتصبح العلاقة بين الإنسان والمكان علاقة تبادل؛ فالإنسان يترك أثره في المكان، والمكان يترك أثره في الإنسان. ومن هذه الزاوية تتسع المجموعة من علاقة الإنسان بالطبيعة إلى علاقة الإنسان بالأشياء والأمكنة، وهو اتساع مهم في بناء رؤيتها.
أما في القصة “ميلاد سعيد” فتتولى الكاتبة دور البطولة، لكن سنوات عمرها الماضية تشاركها البطولة، وهنا تصبح السنوات أكثر من وحدات زمنية، إنها تتحول إلى حضور سردي؛ فالزمن في هذا النوع من الكتابة ليس مجرد إطار تمر خلاله الأحداث، وإنما يصبح موضوعا وفاعلا في الوقت نفسه. إن الإنسان يعيش الزمن، لكنه في الوقت ذاته يُصنع به ويتغير من خلاله. وإذا كانت القصص الأولى تمنح الطبيعة صوتا، فإن هذه القصة تمنح الزمن نفسه حضورا سرديا، وهذا يوسع دائرة الشخصيات في المجموعة من الكائنات الطبيعية إلى المفاهيم المجردة والعناصر غير المادية.
وتفتح قصة “ضفيرة” المجال أمام علاقة الذات بصورة الذات، حيث تتشارك الكاتبة والمرآة وضفيرتها في تشكيل البنية الحكائية، والمرآة هنا ليست مجرد أداة لرؤية المظهر، وإنما يمكن أن تصبح رمزا للذات وهي تواجه صورتها، وللذاكرة وهي تستعيد مراحل من العمر.
أما الضفيرة فتحمل دلالة مركبة؛ فهي جزء من الجسد، لكنها في الوقت ذاته تحمل ذاكرة الزمن والتحولات الأنثوية. وبذلك يتواصل أحد الخيوط الأساسية للمجموعة وهو تحويل الأشياء المادية إلى حوامل للذاكرة والشعور؛ فالشيء لا يبقى شيئا، إنه يصبح حاملا لتجربة الإنسان. وحين يعود الإنسان في قصة “الرجل الذي ضاع في الشمس” فإنه تبدو القصة الأخيرة مختلفة في ظاهرها؛ إذ يعود الإنسان إلى مركز الحكاية من خلال شاعر فقير ومحبوبته جلنار، لكن اختيار عنوان المجموعة “الرجل الذي ضاع في الشمس” يجعل هذه القصة أكثر من مجرد قصة حب؛ إذ تتحول الشمس إلى فضاء للضياع، وربما إلى رمز للجمال أو الحلم أو المستحيل أو الفناء.
ومن اللافت أن المجموعة التي بدأت بسحابة تعشق القمر تنتهي برجل يضيع في الشمس، وبين القمر والشمس تتشكل حركة رمزية واسعة؛ فالسماء حاضرة في طرفي المجموعة، والطبيعة ليست إطارا محايدا لحياة الإنسان، إنها شريك في تشكيل تجربته الوجدانية.
وهكذا، حتى حين يعود الإنسان بطلا، فإنه لا يعود إلى مركز العالم منفصلا عن الطبيعة؛ وإنما يظهر وهو داخل شبكة من الرموز والعناصر الكونية. ومنه تقوم المجموعة في جانب أساسي منها على إعادة صياغة العلاقة بين الإنسان والطبيعة، ولا تقدم الكاتبة الطبيعة باعتبارها نقيضا للإنسان، وإنما تبدو الحدود بين الطرفين قابلة للاختراق؛ فالإنسان يشعر مثل السحابة، والسحابة تحب مثل الإنسان، والورقة تعاني كالأم، والقطرة تفكر في هويتها، والجدار يصبح شريكا في التجربة، والزمن يتحول إلى حضور. وبذلك تضع المجموعة القارئ أمام عالم تتجاور فيه الذوات البشرية وغير البشرية، وهنا يمكن قراءة النص في ضوء مفهوم تراجع المركزية الإنسانية؛ إذ لا يعود الإنسان الكائن الوحيد الذي يمتلك حق الشعور والتفكير وإنتاج الدلالة.
تكشف مجموعة “الرجل الذي ضاع في الشمس” لبسمة شيخو عن تجربة سردية تستند إلى التخييل والرمز والتشخيص،





