
حينما نتحدث عن إشراقات ..إضاءات ..إستنارات لمعاني وحروف سطرت في ذاكرتنا العربية إلاسلامية التي مازالت فضائها رحب ومصابيحها مضيئة في ذاكرة الأمم..فهي ليست خزانا للحكايات ولا مجرد سجلا لأسماء عبرت ثم غابت ..بل هي بالفعل إشراقات لمعاني ومواقف وحكايات أختصرت تجارب إنسانية كاملة ..فالزاهد فيها يكتب سيرته بالصمت والقاضي بالحكمة والعالم بالمواقف والشاعر بدموعه المعبرة …فأصبح هذا التراث كالروح الإنسانية المتكاملة والتي تبحث عن من يستطيع أن يسجل ويدون تفردها

نعم فهي ليست مجرد لحظات عابرة وإنما هي معاني خفية ننفض عنها غبار الزمن فتتحول فيها الحكمة الي سؤال عن الحقيقة ويتحول الألم الي معاني معبرة ومعرفة لما وراء الحكاية المروية والبحث عن الدلالات الكامنة بداخلها فهي ليست ترجمة تقليدية للشخصيات ولا إستعادة جافة لأخبارها ….فالدلالات تولدها المواقف فيتحول بذلك التاريخ الي أدب يعبر عن تأمل عميق ومرآه يري فيها القاريء شيئا من نفسه
القرآن الكريم هو ذروة البيان والبلاغة العربية وفيه تجلت أعلى مستويات الأدب والجمال اللغوي التي أذهلت فطاحل الشعراء والبلغاء….. لم يأتِ القرآن منظوماً كالشعر ولا منثوراً بل جاء بأسلوب فريد معجز
العرب كانت تقول “بلاغة الإيجاز” والقرآن وصل فيه إلى الإعجاز
فتلخيص قصة الطوفان ونهايته: في قوله تعالى: {وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ ۖ وَقِيلَ بُعْدًا لِّقَوْمِ الظَّالِمِينَ} [هود: 44]. هذه الآية القصيرة جمعت (أمر التكوين وانتهاء الطوفان وجفاف الأرض ورسو السفينة وهلاك الكفار) في بضعة كلمات وبإيقاع مذهل.
و إيجاز القصاص والعدالة: {وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ} [البقرة: 179]. صياغة أدبية من كلمتين قلبت موازين البلاغة عند العرب الذين كانوا يقولون (القتل أنفى للقتل).
استخدام التلميح اللطيف بدلاً من التصريح المباشر فهنا
* كناية عن الندم الشديد: {وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَىٰ يَدَيْهِ} [الفرقان: 27]. بدلاً من قول “يندم” صور الحالة الجسدية المصاحبة للندم.
و عن تقدم السن والضعف: قوله على لسان زكريا عليه السلام: {قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا} [مريم: 4]. شبّه انتشار الشيب في الرأس بـ “اشتعال” النار في الحطب لإظهار السرعة والشمول
كما أن السنة النبوية ليست مجرد نصوصًا تُقرأ فحسب… بل هي نصوص تُرى فيها حركة المعنى وهو يتشكل في الكلمة والصورة والموقف….. فالكلمة النبوية لا تأتي عارية من ظلالها…… إذ تحمل في بنائها اللغوي إشارات تتجاوز ظاهر العبارة إلى أعماق النفس……. حتى يصبح الحديث مشهدًا والصورة موقفًا والموقف إشراقةً تهدي القلب إلى معنى أبعد من حدود اللفظ.
«مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن مثل الأُترُجّة، ريحها طيب وطعمها طيب…»
رواه البخاري ومسلم.
اختيرت الأترجة في التشبيه
لأنها تجمع بين جمال الظاهر والطيب في الباطن
فهي رائحتها طيبة ومن ثم ما يخرج من المؤمن من أثر حسن.
وايضا طعمها طيب أي ما في داخله من إيمان وصلاح.
فالصورة النبوية هنا تربط بين الداخل والخارج….. والروح والأثر.
فالأُتْرُجّة هي نوع من الحمضيات وتُعرف غالبًا بأنها فاكهة تشبه الليمون الكبير أو الليمون الأُترُجي ولها رائحة طيبة مميزة.
وقد وردت في الحديث وهذه تعد إشراقة أدبية ..لماذا
لأن الأترجة تتحول من مجرد فاكهة إلى علامة أدبية على الإنسان الجميل ظاهرًا وباطنًا.
صورة حسية…..
رائحة وطعم بوصفهما علامتين….
المقابلة بين الداخل والخارج…..
الانتقال من المحسوس إلى المعنوي.
كلها دلالات تؤكد كيف تتحول الصورة إلى بناء أخلاقي وروحي.
هناك انتقالة أخري في أدبيات التراث العربي فقد حدث تمازج ثقافات بين العرب والفرس في العصر العباسي .. فتسبب في إحداث ثورة حقيقية غيّرت وجه الأدب العربي ونقلته من بيئة البادية والقصيدة العمودية التقليدية إلى فضاءات حضارية جديدة تمتاز بالرفاهية والعمق الفلسفي
عبد الله بن المقفع يُعد رائد هذا التمازج حيث ترجم كتاب “كليلة ودمنة” عن الفارسية (المأخوذ أصلاً عن الهندية) فصاغ ابن المقفع الكتاب بأسلوب عربي بليغ مبتكراً نمطاً أدبياً يعتمد على إجراء الحكم والنصائح السياسية والاجتماعية على ألسنة الحيوانات وهو ما فتح الباب لنشوء “الأدب الرمزي” في العربية.
وايضا كتب الآداب والمناظرات فقد نقل ابن المقفع أيضاً كتباً مثل “الأدب الكبير” و*”الأدب الصغير”* و*”خداي نامه”* (كتاب الملوك) مما أدخل مفاهيم تدبير الدولة وسياسة الملوك إلى الفكر الأدبي العربي.
وفي مغرب العالم الإسلامي وأندلسه إشراقة أخري فلم تعد القصيدة مجرد ديوان للعرب بل غدت معزوفة تشبه طبيعة الأرض التي نبتت فيها…. هناك ولدت الموشحات لتكسر قيد الوزن الجاف واستحالت الكلمات إلى مرايا تبكي الممالك الراحلة برقة تدمي القلوب لقد كانت الأندلس إشراقة أدبية غسلت وجه الأدب العربي بماء المطر وصنعت من الفكر النثري روايات ألهمت الإنسانية قروناً طويلة
ظهرت الموشحات والأزجال في تأكيد لتخلّص الأندلسيون من صرامة القافية والوزن الواحد في القصيدة العمودية التقليدية فابتكروا الموشحات (مثل موشحات لسان الدين بن الخطيب وابن زهر) التي تتسم بالتعدد النغمي والموسيقى الراقصة وأدخلو في (البيت الأخير) لغة شعبية تجمع بين العربية واللاتينية في أول تمازج لغوي وحضاري من نوعه
كما أشرقت الرواية الفلسفية الأولى (حي بن يقظان) فقدم الفيلسوف الأندلسي ابن طفيل إستنارة نثرية فريدة من خلال قصته الفلسفية الرمزية التي استكشف فيها قدرة العقل البشري على الوصول إلى الحقائق الإلهية والكونية بمفرده وهذه المحاولة صُنفت تاريخياً كواحدة من أقدم جذور الرواية الفلسفية في العالم قبل القرون الوسطى الغربية
.إشراقات الأدب العربي الإسلامي لم تكن شمساً تضيء دارها فحسب بل كانت إضاءة حضارية حملت الخيال والحكمة إلى ما وراء البحار….. فتُرجمت حكايات ‘ألف ليلة وليلة إلي لغات أخري كما ألهمت فلسفة ورسالة الغفران للمعري الكاتب الإيطالي دانتي…. والمتنبي و الشيرازي ألهما أمير الأدب الألماني غوته…… هنا يتجلي للناظرين والقارئين أثر الأدب الإسلامي وأنه سيبقي شاهداً على أن الكلمة البليغة لا حدود لها وأنها متى ما أشرقت أضاءت للإنسانية جمعاء درب حضارتها





