آراء حرة

التميز الأكاديمي بين مساعي التطور ورهان الاستدامة

 

د. محمود فوزي

ترتكز مقومات التميز الجامعي على تطوير مهارات الباحثين، والاستخدام الأمثل لمواردهم الفكرية والمعرفية؛ لتمكين المؤسسة الأكاديمية من التكيف مع التغيرات السريعة بالبيئات البحثية المتباينة، وتعزيز فرص الابتكار والمشاركة الريادية، ومن ثم بناء ثقافة تنظيمية داعمة للأداء المستدام .

ويشير التميز التنظيمي بالبيئة الجامعية إلى الأهداف والغايات الرئيسة؛ لضمان الجودة والاعتماد المستدام؛ الذي ينطلق من خضم الإستراتيجية البحثية المتكاملة للمؤسسة الأكاديمية، والتي تمنحها القدرة على ضخ عشرات الدراسات والبحوث الرصينة بمختلف التخصصات، وتشكيل فرق وكوادر بحثية واعدة؛ ما يتطلب ضمان الاتساق والتكامل بين تقارير الجودة، وخطط التطوير_من جانب_ وتصميم الآليات المؤسسية، التي تكفل تحقيق مزايا تنافسية، وقيم تسويقية مضافة؛ على المستوى البحثي ذات النطاق المحلي، والإقليمي، والدولي_ من جانب آخر.

أناشد مخططو المؤتمرات البحثية بقطاع الإعلام أن يتجهوا نحو بحث أوجه الاستدامة البيئية والمجتمعية لفعالياتهم؛ كي تكون قادرة على تطوير الموارد البشرية والمعرفية، وإدارة الابتكارات التنظيمية؛ على نحو مواز من التطبيق المنهجي لمبادئ إدارة الجودة الشاملة لمؤشرات التقييم المعياري للفاعلية الإنتاجية لهذه الأحداث، وخفض معدلات الهدر الإداري؛ ومن ثم تنفيذ العمليات البحثية ذات الصلة المباشرة بمخرجات الأعمال ذات القدرات التنافسية الفائقة.

تنعقد سنويًا عشرات المؤتمرات العلمية بقطاع الإعلام، وتمثل كل فعالية فرصة طيبة؛ لعقد العديد من أنشطة ومبادرات التعلم المشتركة؛ كالموائد المستديرة، وورش العمل، واجتماعات الحوار المفتوح مع جماعات المصالح، والنقاشات الجماعية، وغيرها من الفرص الاتصالية التي تعزز سبل التفاعل، والتماس المعلومات، واكتساب المعارف، والتعلم بالملاحظة، وكذا التعلم المشترك من الخبراء والزملاء.

وتتسق هذه الرؤية مع الأساليب العلمية الحديثة لإدارة الموارد البشرية؛ تلك الأساليب الساعية نحو تعزيز مقومات الابتكار والتميز المؤسسي، من خلال تصميم برامج بحثية معيارية؛ لانتقاء الأكفاء، وإدارة المواهب؛ وتصميم حاضنات فكرية معتمدة؛ للاستثمار في رءوس الأموال الفكرية؛ ما يتطلب تهيئة مناخ تنظيمي صحي؛ بكل جامعة، وبكل كلية، وبكل معهد..الخ؛ لتشجيع الطلاب والباحثين على طرح الأفكار، وجمع البيانات، وتحليل المعلومات، وتبادل المعارف؛ كي يمكن تحويلها لمبادرات بناءة، وبرامج مجتمعية واعدة.

وبالطبع تعزز التطبيقات الرقمية فرص إجراء التجارب والبحوث المشتركة بالمؤتمرات والأحداث الخاصة الإلكترونية، من خلال تمكين الباحثين من التماس المعلومات، ونقلها، وتوثيقها، ومشاركتها خارج نطاق الحيز الجغرافي المحدود، حيث تتيح هذه الفعاليات الرقمية مرونةً واسعة من التفاعل اللامركزي واللاتزامني، وكذا التطوير المتواصل لمخازن الأفكار والمعلومات، والمستودعات المعرفية المتراكمة.

ولكن تبقى إشكالية الاعتماد الكامل على التطبيقات الرقمية وبرامج الذكاء الاصطناعي في عقد هذه الفعاليات، التي تواجه قصورًا محتملًا في عمليات التعلم التنظيمي؛ كصعوبة إدارة المواقف التنظيمية المعقدة، وافتقادر القدرة على التكيف البحثي السريع والمرن مع التغيرات البيئية؛ ما يهدد استدامة هذه الفعاليات التي تعتمد على التطبيقات الإلكترونية؛ بشكل كلي.

مازالت التكنولوجيا أكثر قدرة على تحسين الأداء التنظيمي، وإدارة التعقيدات المؤسسية- ببيئات صناعة القرار البسيطة نسبيًا- ولكنها قد تكون ضارة بالبيئات الأكثر تعقيدًا، والتي تحتاج قدرًا وفيرًا من الذكاء التنظيمي القائم على الخبرة المجتمعية المتبادلة بين الأعضاء؛ لضمان مرونة الاستجابة، والتكيف مع التعقيدات التنظيمية؛ كالأفكار الإنسانية، والقيم، والإجراءات الروتينية، والخلفيات المعرفية السابقة، وبحث سبل مواءمتها مع التغيرات المجتمعية والبيئية المحيطة؛ حيث يعتمد نطاق التعلم على مقدار الاستكشاف الفكري، والتحليل البحثي العميق؛ الذي يمكن أعضاء المنظمة من إدارة النظم المعرفية القائمة.