
هل معني بقاء الإنسان علي قيد الحياة أن يبقى جسده أم أن يبقى أثره ؟
فمن الممكن أن يكون الأثر علمًا أو كلمة طيبة أو إنسانًا تغيرت حياته بسببه أو دعاءً لا ينقطع أو محبةً تظل في قلب من عرفه…..
تظهر فكرة الأثر هنا
عندما يغيب الإنسان جسديًا… ولكن ما صنعه قد يستمر.
كاتب يموت لكن كتابه يبق…
معلم يموت لكن أثره يبقى في طلابه…
أم تموت… لكن كلماتها وطريقتها في الحب تظل داخل أبنائها.
لدينا هنا كتاب «الإنسان يبحث عن معنى» (Man’s Search for Meaning) لفيكتور فرانكل وهو من أكثر الكتب عمقًا في مسألة المعنى و الموت و الفقد والأثر الذي يتركه الإنسان.
وللفائدة …ففيكتور فرانكل كان طبيبًا نفسيًا نمساويًا وقد مرّ بتجربة الاعتقال في معسكرات النازيين خلال الحرب العالمية الثانية ففقد زوجته وأولاده

ولكن في كتابه هذا هو ليس مجرد طبيب نفسي ولكن يمكن النظر إليه أدبيًّا بوصفه الرجل الذي استطاع أن يقول…
قد لا نملك أن نختار ما يحدث لنا ولكن تظل لنا مساحة أخيرة لا يستطيع أحد انتزاعها وهي الطريقة التي نواجه بها ما حدث.
…. المعنى من خلال الحب…… وهذه من أجمل أفكار فرانكل..
فالحب عنده ليس مجرد شعور بالسعادة وإنما وسيلة لاكتشاف قيمة إنسان آخر.
فالإنسان يستطيع أن يجد معنى لحياته من خلال محبته لإنسان آخر حتى عندما لا يستطيع أن يغيّر ظروفه.
وهنا تصبح الذكرى نفسها نوعًا من الوجود.
قد يرحل الشخص الذي نحبّه و لكن الحب الذي صنعه فينا لا يرحل بالضرورة معه.
وهذا يقود إلى فكرة مؤثرة جدًا……
قد يموت الإنسان و لكن العلاقة التي صنعها في حياة الآخرين يمكن أن تستمر.
المعنى أمام الموت..
فرانكل لا يتعامل مع الموت باعتباره مجرد نهاية…ولكن يجعل وعي الإنسان بالموت سببًا في أن تصبح حياته أكثر قيمة.
لأن الوقت محدود فيصبح لكل لحظة وزن.
وهنا يمكن أن نسأل:
إذا كنت أعرف أن حياتي محدودة فماذا سأترك خلفي؟
ليس بالضرورة أن يكون الأثر عظيمًا بالمعنى التاريخي.
قد يكون:
شخصًا أحببته.
إنسانًا ساعدته.
كلمة قلتها في الوقت المناسب.
كتابًا كتبته.
علمًا نقلته.
طفلًا علمته معنى الرحمة.
ذكرى جميلة تركتها في قلب إنسان
فالموت قد ينهي حضور الإنسان الجسدي و لكنه لا يستطيع بالضرورة أن يلغي ما أنجزه الإنسان أو ما أحدثه في حياة الآخرين.
في الأثر الإسلامي هناك كتاب يعالج نفس فكرة الأثر الطيب وهو كتاب «جامع العلوم والحكم في شرح خمسين حديثًا من جوامع الكلم» للإمام ابن رجب الحنبلي وهو يقوم على شرح أحاديث نبوية مختارة ويستخرج منها معاني تتعلق بـ:
النية والإخلاص والعمل الصالح والتقوى والأخلاق وحقوق الناس وأثر العمل في الإنسان وعلاقة الظاهر بالباطن.
وهنا لا نتعامل مع العمل الصالح باعتباره فعلًا منفصلًا عن الإنسان بل كيف يمكن للنية والعمل والسلوك أن يصنعوا قيمة تتجاوز اللحظة التي حدثت فيها
«إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى»
فالفعل الواحد قد يبدو متشابهًا في الظاهرو لكن قيمته عند الله تختلف باختلاف النية.
وهنا الأثر الحقيقي للإنسان فهو لا يقاس فقط بحجم ما فعله وإنما أيضًا بالغاية التي حملته على فعله.
فقد يكون شخص قدّم شيئًا صغيرًا و لكنه فعله بإخلاص فيصبح لهذا العمل معنى عظيم.
«من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها بعده، من غير أن ينقص من أجورهم شيء…»
رواه مسلم.
وهنا تظهر فكرة امتداد العمل بعد صاحبه بصورة واضحة جدًا.
فالإنسان يقوم بفعل صالح ثم يأتي آخرون فيقتدون به فيستمر الخير.
أي أن الفعل لا ينتهي بالضرورة عند لحظة قيام الإنسان به
عندما نقول
«فلان ترك أثرًا طيبًا»
قد نفهم الأثر على أنه مجرد ذكريات جميلة.
لكن المنظور الإسلامي الذي يشرحه ابن رجب أوسع من ذلك
فالأثر قد يكون عملًا يستمر نفعه
فالمعلم الذي علّم طالبًا والطالب علّم غيره قد يكون علم المعلم قد امتد عبر أشخاص لم يعرفهم أصلًا.
والإنسان الذي أنشأ عملًا نافعًا قد يستمر نفعه بعد رحيله.
إذن هناك فرق بين:
أثر الإنسان في الذاكرة
وأثر الإنسان في الواقع.
والثاني أعمق لأن الإنسان قد يرحل، بينما يستمر الخير الذي بدأه.
ولكن هل كل ما يبقى بعد الإنسان قد نعده أثرًا طيبًا ؟
فقد يترك الإنسان وراءه شهرة أو مالًا أو نفوذًا لكن ذلك لا يعني بالضرورة أن أثره خير.
أما العمل الذي يجتمع فيه
الإخلاص و النفع و الاستمرار
فهو أقرب إلى مفهوم الأثر الطيب في التصور الإسلامي
.إذًا.. فرانكل يقول أن
المعنى يجعل الإنسان قادرًا على مواجهة الحياة والموت.
و ابن رجب يقول أن
العمل الصالح والإخلاص والعلم والنفع يمكن أن يجعلوا حياة الإنسان ممتدة الأثر بعد رحيله.
وفي نهاية الرحلة ربما لا يكون السؤال الأهم هو كم عامًا عاش الإنسان؟ ولا كم جمع من أشياء ولا كم ذاع اسمه بين الناس وإنما: ماذا ترك خلفه حين مضى؟
فالإنسان يرحل بجسده و لكن بعضه يبقى في كلمة قالها فأضاءت عتمة قلب أو وفي يدٍ امتدت في لحظة احتياج أو وفي علمٍ علّمه فحملته الأيام إلى آخرينأو في قلبٍ أحبّه فظل يحمل شيئًا منه بعد الغياب.
ولعل المعنى الأعمق للحياة أن ندرك قبل أن يفوت الأوان أن وجودنا ليس مجرد عبور في الزمن بل هو فرصة لأن نترك فيه شيئًا من الخير…… فبعض الناس يمرون في حياتنا كأنهم عابرون ثم نكتشف بعد رحيلهم أنهم تركوا في أرواحنا ما لا يرحل





