شاهيناز عباس تكتب: من الحُجّة البالغة إلى جهاد النفس.. طريق المسؤولية الإنسانية

يا نفسي.. لقد أُعطيت العقل والبيان… فأخبريني ..ما الطريق؟
… الطريق واضح والحق قد ظهر… والحُجّة قد قامت عليك.
ولكن…. وكيف لي أن أثبت وألا أضل؟
بجهادك لي …بمحاربة الهوى…. بمحاسبة كل رغبة تتعارض مع الحق.
أي أن كل معرفة بلا عمل لا تنفع؟
…… بالضبط فالعلم بلا عمل أصبح حُجّة عليك….. والعمل وحده يحقق النجاة.
إذن عليّ أن أراقب نفسي دائمًا….. وأزرع الطاعة ؟
… نعم، فقيام الحُجّة يحتم عليك العمل…. وجهاد النفس هو السبيل.
…إن قيام الحُجّة البالغة على الإنسان يفرض عليه مسؤولية العمل بما عرفه…. إذ لم يترك حائرًا بلا هدى…. بل أُعطي العقل والبيان والرسل ليُرشدوه إلى الحق. ومع هذا….. تبقى النفس معرضة للهوى والوسوسة…. …. حيث يظهر أن إبليس لا يقدر على الإنسان إلا عبر استغلال ضعف القلب …. فتُزيَّن له المعاصي وتُغشى عين البصيرة…. هنا يظهر الدور العملي لجهاد النفس……فهو الحصن الحقيقي للإنسان و الذي يحول المعرفة إلى تطبيق ويحول الإدراك إلى طاعة فيصبر على حب الدنيا ويقاوم وساوسه فالعلم وحده بلا عمل يصبح حُجّة على صاحبه وجهاد النفس هو السبيل لتقويم القلب وتحقيق مسؤولية الإنسان بعد قيام الحُجّة البالغة،….فلا يضل ولا يغفل عن الطريق المستقيم.
و البيئه التي تساعد علي الثبات والسكينة في زمن المغريات والفتن هي مكان للذكر…..وقت للصلاة….مساحة للتفكر كما ذكر ابن الجوزي
أما في كتاب مدارج السالكين — لابن القيم
و موضوعه الأساسي ….مراحل تزكية النفس والسير إلى الله.
فالنفس تمر بمراحل…..وهي..
النفس الأمّارة بالسوء….النفس اللوّامة…….النفس المطمئنة
و جهاد النفس يحتاج إلي ……
صبر……مجاهدة مستمرة……وعي بعيوب النفس…..فالعلم الحقيقي هو الذي يؤدي إلى عمل، لا مجرد معرفة.
جهاد النفس هو الدواء الشافي… لأدواء القلب والروح…. ويتمثل في تطويع الهوى لموافقة الشرع…. ومجاهدة النفس الأمارة بالسوء على الطاعات وترك المعاصي والصبر على مشاق العبادة…. يُعد جهاد النفس من أعظم الجهاد وسبيلًا للهداية (والذين جاهدوا فينا لنهديهم سبلنا) وهو عملية مستمرة لتحويل القلب من الهوى إلى الرضا بالله.
إنه صراع داخلي دائم لإحباط حيل الشيطان التي تزين الباطل كحق. يتطلب ذلك خطوة صادقة.. ومحاسبة مستمرة… والتمسك بالعلم…. والصبر على الطاعات…. وتجنب الهوى…. ومجاهدة النفس في الخلوات. ….خطوات جهاد النفس تتضمن اليقين بالرزق…. التوبة والاستغفار…. وذكر الله…. والبعد عن الرياء.
وأبرز خطوات جهاد النفس وهي خطوات مستوحاة من تلبيس إبليس…
الخطوة الأولى…. العلم والتعلم وهوكشف التلبيس… يُحذر ابن الجوزي من أن أول تلبيس إبليس هو صد الناس عن طلب العلم الشرعي لإبقائهم في ظلمات الجهل.
الخطوة الثانية….الصبر على الطاعة…. جهاد النفس يتطلب صبراً كبيراً على مشاق العبادات وعدم التكاسل عنها.
الخطوة الثالثة…..محاسبة النفس….. مراجعة النفس المستمرة ومحاسبتها على المعاصي… والتقصير في الطاعات… والتوبة منها فوراً.
الخطوة الرابعة….. مخالفة الهوى….. جهاد النفس يقتضي عدم الاستجابة لشهواتها التي يزينها الشيطان….. والعمل بـألا تتبع الهوى
الخطوة الخامسة…..سد منافذ الشيطان ….الخلوة… يُحسم جهاد النفس في الخلوات….فعندما يرى الإنسان نفسه في معركة مؤجلة…. يجب عليه اتخاذ قرار صادق ببدء الجهاد.
الخطوة السادسة….. الإخلاص والبعد عن الرياء….. دفع خاطر الرياء وتزيين الأعمال …..الذي يحذر منه ابن الجوزي في تلبيسه على الزهاد…..بالإخلاص لله وحده.
الخطوة السابعة…..الدعاء والاستعانة بالله….. ضرورة التضرع إلى الله تعالى والتوكل عليه لصد وساوس الشيطان.
وأما الخطوات العملية فهي
اليقين والرضا….. الرضا بما قسمه الله واليقين بأن الله هو الرزاق….. مما يدفع الشيطان عنك.
الحياء من الله….. استحضار مراقبة الله والخوف من عقابه.
العزلة عن أهل الشر…. تجنب مجالس الغيبة والمعاصي التي يزينها الشيطان.
التزهد في الدنيا….. عدم الانخداع بـ …..تزيين الباطل والتعلق بالدنيا.
فالإنسان ما دام حياً في هذه الدنيا تتوفر لديه فرصة الإرتقاء في مدارج الكمال… فإن كان مبتلى بعيوب فعليه أن يتخلص منها ويصلح نفسه…..وإن كان موفقاً بالتَّحلي بصفات نفس جيدة وأعمال جوارح حسنة….فعليه أن يسعى نحو الأحسن… ولكن الإصلاح وتهذيب النفس لا يأتي صدفة….وإنما هو نتيجة سعي الإنسان.
النفس كثيرًا ما تتكاسل رغم معرفتها بالحق……
وأن أكبر معركة يخوضها الإنسان هي مع نفسه…….فالعلم بدون عمل قد يصبح حُجّة على صاحبه وبذلك
فالتغيير يبدأ بخطوات صغيرة وثبات مستمر…(صيد الخاطر)
و النفس معرضة لأمراض روحية وهذه الأمراض تظهر حين يترك الإنسان نفسه لهواه. ومع قيام الحُجّة البالغة عليه، يصبح الإنسان مسؤولًا عن إصلاح قلبه وروحه، فلا يكتفي بالعلم والمعرفة، بل يجب أن يطبق ما عرفه، ويجاهد نفسه ضد كل داء يبعده عن الحق. فمجاهدة النفس هنا ليست مجرد اختيار، بل دواء ضروري للنجاة الروحية، بينما العلم وحده بلا عمل يصبح حُجّة عليه.ابن القيم الداء والدواء
“حين يسألونك عن جهاد النفس الحقيقي، أخبرهم أن أصدق الجهاد هو قدرتك على أن تجعل هذا القلب نقيًا، صالحًا للحياة الآدمية بعد كل تلك المفاجآت، والعثرات، والانكسارات، والهزائم”أحمد خالد توفيق
“العلم يهتف بالعمل، فإن أجابه وإلا ارتحل.” — ابن القيم
“المعرفة إذا لم تُثمر عملاً كانت حُجّة على صاحبها.” — ابن الجوزي
“النفس كالطفل إن تُهمله شبّ على حبّ الرضاع.” — الغزالي
“إذا ظهر الحق وبان، قامت الحُجّة على العبد.” — الدهلوي
“جهاد النفس أربع مراتب … العلم ثم العمل ف الدعوة و الصبر والثبات.
وفقًا لابن القيم في كتبه … مدارج السالكين وإغاثة اللهفان
وكما أن النفس مختبرة…. والهوى يغوي… فاجعل طاعتك دفة…. وجهادك مرساة…. فالسفينة لا تجري على اليبس…. بل على ثبات العمل الصالح.





