آخر الأخبارآراء حرة

د.مها الشيخ تكتب: الأزمات لا تفصل الاقتصادات بل تعيد رسم الترابط وتفرض مرونة أعلى في سلاسل التوريد

Dr. Maha Al-Sheikh
Dr. Maha Al-Sheikh

د.مها الشيخ -أستاذ سلاسل التوريد والدعم اللوجستي

في كل مرة تشتد فيها أزمة في المنطقة -الحرب الإيرانية الأمريكية الإسرائيلية وتأثيراتها على دول الشرق الأوسط والخليج- يعود السؤال نفسه بصيغة مختلفة: هل نحن ذاهبون إلى مرحلة يعمل فيها كل طرف وحده؟
هل ستعيد الدول تشكيل اقتصادها بحيث تصبح كل دولة مسؤولة عن نفسها فقط، بعيدًا عن الآخرين؟

أنا لا أرى الأمر بهذه الطريقة.

قد تتغير المسارات، وقد ترتفع أهمية البدائل، وقد تبحث كل دولة عن منفذ أكثر أمانًا، أو عن مخزون أكبر، أو عن طريق أقل تعرضًا للخطر.

لكن هذا كله لا يعني أننا نتجه إلى عالم تعمل فيه كل دولة بمفردها. بالعكس، الأزمات الكبرى تكشف لنا شيئًا مهمًا جدًا: أننا مترابطون أكثر مما نظن.

سلاسل التوريد لا تعمل بمنطق العزلة.
هي لا تقوم على فكرة أن كل ميناء يكفي نفسه، أو أن كل دولة تستطيع أن تبني حولها جدارًا اقتصاديًا وتقول: أنا بخير وحدي.

ما يحدث فعليًا هو أن كل مسار يعتمد على مسار آخر، وكل ميناء يحتاج إلى شبكة أوسع من النقل والتأمين والطاقة والمعلومات والتخزين والأسواق. وحتى عندما نبحث عن بديل، فإننا لا نخرج من الشبكة، بل ننتقل إلى جزء آخر منها.

وهذا هو جوهر الفكرة التي أردت أن أوصلها حين قلت إن الاستقلالية المطلقة في الموانئ ليست فكرة واقعية، فالموانئ العربية مهمة، وبعضها أثبت قدرة حقيقية على امتصاص جزء من الصدمة. لكن البديل ليس مرادفًا للاستقلال الكامل. البديل يعني فقط أن هناك قدرة على الاستمرار، ولو بكلفة أعلى، ولو بسرعة أقل، ولو تحت مخاطر أكبر.

وهنا يجب أن نكون صريحين مع أنفسنا. ليس كل ما يستمر يعمل بالكفاءة نفسها. قد تستمر البضائع في الوصول، نعم، لكن بعد تأخير.

وقد تصل السلع، نعم، لكن بكلفة أعلى.
وقد تستمر الحركة، نعم، لكن عبر طرق أطول، ومخاطر أكبر، وضغط أعلى على الموانئ والمعابر والمخازن.

فهل هذا يعني أن السلسلة بخير؟ ليس تمامًا. وهل يعني أن كل دولة أصبحت تعمل وحدها؟ بالتأكيد لا.

ما يحدث اليوم ليس انفصالًا اقتصاديًا، بل إعادة تموضع داخل شبكة مضغوطة.
كل دولة تحاول أن تحمي نفسها، لكن من داخل الترابط، لا من خارجه.
كل دولة تبحث عن منفذ، لكن هذا المنفذ نفسه يحتاج إلى سفن، وتأمين، وخدمات، وطرق، وشبكات، وربط، وتنسيق.

وحتى أكثر البدائل قوة لا تلغي حقيقة أن التجارة في هذا العصر ليست فعلًا منفردًا، بل عملية مشتركة، متشابكة، وحساسة لأي خلل في أي نقطة من نقاطها.

ولذلك، أنا لا أؤمن بخطاب “كل واحد لوحده”. هذا الخطاب قد يبدو قويًا في الإعلام، لكنه لا يعكس الواقع الفعلي لسلاسل التوريد.

الواقع يقول إن الدول قد تقلل اعتمادها على مسار معين، نعم.
وقد تنوع خياراتها، نعم.
وقد ترفع مخزونها، نعم.
وقد تستثمر أكثر في موانئها وبدائلها، نعم.
لكنها لا تستطيع أن تلغي الترابط نفسه. لأن الترابط ليس نقطة ضعف فقط، بل هو أيضًا جزء من طريقة عمل الاقتصاد الحديث.

المشكلة ليست في الترابط بحد ذاته، بل في كيفية إدارته.
حين يكون الترابط غير مدروس، يصبح مصدر هشاشة.
وحين يكون الترابط بلا بدائل، يتحول إلى اختناق.
وحين تكون السلسلة مركزة في نقاط قليلة، يصبح أي اضطراب فيها أزمة للجميع.
أما حين يُدار هذا الترابط بوعي، وببدائل، وبمرونة، وبربط ذكي، وبمخزون كافٍ، فإنه يصبح مصدر قوة لا مصدر ضعف.

لهذا أرى أن السؤال الأصح ليس:
هل سنصل إلى مرحلة تعمل فيها كل دولة وحدها؟ بل: هل سننجح في بناء شبكة أكثر مرونة، وأكثر تنوعًا، وأقل انكشافًا؟ هذا هو السؤال الحقيقي، لأن المنطقة لا تحتاج إلى وهم الانفصال، بل إلى ذكاء في إدارة الاعتماد المتبادل.

لا تحتاج إلى خطاب يقول إن كل طرف يستطيع أن يغلق على نفسه الباب، بل إلى خطاب يفهم أن الأمن الاقتصادي اليوم لا يُبنى بالعزلة، وإنما ببناء بدائل، وتوزيع المخاطر، وتقوية الموانئ، وتوسيع الربط بين البحر والبر والجو، وتحسين القدرة على التكيف حين يضيق ممر أو يتعطل طريق أو ترتفع المخاطر.

ما أؤمن به ببساطة هو هذا:
لن تعمل الدول وحدها، لكنها مطالبة بألا تبقى رهينة لمسار واحد، وهذا فرق كبير.

فنحن لا نحتاج إلى استقلالية وهمية، بقدر ما نحتاج إلى مرونة حقيقية، ولا نحتاج إلى أن نقول إن كل شيء بخير، بقدر ما نحتاج إلى أن نرى الحقيقة كما هي:

البدائل مهمة، نعم، لكنها لا تعني أن الخطر انتهى، والترابط مستمر، نعم، لكنه لا يعني أننا عاجزون.

بل يعني فقط أن مستقبل المنطقة الاقتصادي لن يُبنى على “كل دولة لوحدها”، وإنما على قدرة الجميع على إعادة تنظيم هذا الترابط بطريقة أكثر توازنًا، وأكثر حكمة، وأكثر استعدادًا للأزمات.

لسنا أمام عالم يعمل فيه كل طرف وحده، ولسنا أيضًا أمام عالم بلا بدائل.

نحن أمام واقع جديد يقول إن من ينجو ليس من ينعزل، بل من يفهم الشبكة جيدًا، ويتحرك داخلها بمرونة، ويحسن إدارة المخاطر دون أن ينسى أن الاقتصاد في النهاية ليس مجموعة جزر منفصلة، بل تدفقات مترابطة إذا اختنقت في مكان، شعر بها الجميع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

clickbet88

clickbet88

clickbet88 link alternatif

clickbet88 login

clickbet88 login

maxbet

clickbet88

clickbet88