آخر الأخبارسياسة وبرلمان

تأسيس معهد السلام للدراسات والبحوث الاستراتيجية بأبوظبي والأردن

قال حسن إسميك رئيس معهد السلام للدراسات والبحوث الاستراتيجية، إنه تم تأسيس المركز البحثي في أبوظبي والأردن، ليركز اهتمامه على كل ما يقوي علاقة الإنسان بالآخر، وعلى دعم كل ما يعلي مبادئ الحوار والمساواة والحب بين الجميع.

وأكد إسميك، أنه مؤمن بأن قيام حوار فعال بين أدياننا التي شكلت وجه المنطقة ومنحتها ميزتها الحضارية والثقافية، كفيل بالحدّ من الصراعات والحروب التي شرّدت الملايين من أبناء جلدتنا وعقائدنا.

والأهم أنه سيكفل أيضاً إقصاء الصراعات السياسية عن التحكم بمصيرنا وشكل حياتنا، ويمهّد طريق الانتقال إلى بناء الإنسان وتشكيل ثقافته على أساس احترام الآخر المختلف الذي تجمعنا به أرض واحدة ومستقبل واحد وإله واحد، فإما نصنع جنتنا معا أو نسير إلى الهلاك معا.

وأشار إسميك، إلى أن شعار “نعم للحياة المشتركة”، تزيّن مدخل مدرسة في مدينة القدس، تجمع طلبة مسلمين ويهودا في قاعات دراسية مشتركة لا تميّز بين طلابها على أساس ديني أو قومي أو عرقي.

وربما لم يسمع كثير منا بوجود مدارس كهذه، بخاصة أن الأخبار التي تصلنا من القدس عادة لا تتعدى حديث الحرب والقتل والموت، ولكن هذا لا ينفي وجود أناس أدركوا أنه لا سبيل لاستمرار الحياة سوى قبول الآخر والعيش معه، وتجاوز تاريخ الخلافات الدينية والسياسية نحو مستقبل مختلف.

استطرد في حديثه، بإمكاننا تصوّر ما سيكون عليه الجيل الذي ستخرّجه هذه المدرسة، والمقارنة بينه وبين أجيال ستتخرج من مدارس أخرى لا تقبل في صفوفها إلا أبناء العقيدة الواحدة، لتنشئهم على أنها وحدها العقيدة الصحيحة، وأن كل من لا يؤمن بها كافر يجوز قتله وإلى النار مصيره. فكيف سيكون مستقبل هؤلاء الأطفال وغيرهم على امتداد الوطن العربي وحتى في مختلف أرجاء العالم؟.

تابع: تشكو ثقافتنا المعاصرة اليوم، محلياً وعالمياً، من ويلات الحرب والتمييز والإقصاء على كل المستويات الدينية والسياسية والاجتماعية، حتى لم يعد للحوار الذي نحن بأمسّ الحاجة إليه، مكان في جدول صراعاتنا غير المنتهية، والتي أوشكت أن تأكل اليابس بعدما أكلت الأخضر فينا.

وما دعاني اليوم إلى تذكر هذه المدرسة هو فكرة جمع المسلم واليهودي (على سبيل المثال لا الحصر) ضمن إطار علمي وإنساني واحد في مكان عرف الكثير من الحروب عبر التاريخ، وهذا ما جدّد رغبتي في الحديث عن العلاقة بين الأديان، والإبراهيمية منها على وجه التحديد، لكونها نزلت ونمت في أرضنا.

لكننا وعلى الأرض ذاتها، أرقنا الدماء باسم هذه الأديان رغم أن مصدرها واحد.

وأشار إلى أن نظرة سريعة على التاريخ ستكون كافية لإثبات أن معظم أسباب الصراعات الدينية ارتبطت بأهداف سياسية ألبست التنافس على السلطة والقوة لبوس الدين، فالدين هو العامل الأقوى الذي يمكن من خلاله التحكم بالشعوب التي تعتبره جزءاً رئيسياً من هويتها، ومن الطبيعي أن تدافع عنه إذا ما أحست بخطر يتهدده، وبالتالي يهدد وجودها المرتبط به، وهنا يأتي دور السياسة في الدفع بالشعور بهذا الخطر عبر صناعة العدو وتصويره كأنه يهدد وجودها ويريد إلغاءها، هكذا تُصنع الحروب وتستمر ويفقد الناس أرواحهم وسلامهم في سبيل تحقيق مصالح وغايات شخصية أو أيديولوجية لا ناقة لهم فيها ولا جمل.

أضاف: لا يمكن إنكار الأرضية المشتركة للديانات الإبراهيمية الثلاث (الإسلام والمسيحية واليهودية)، والتي يمكن بناءً عليها إقامة حوار فاعل مدّعم بأسس ثابتة، وقادرٍ على تأسيس السلام المتكامل الذي تطمح البشرية لأن تنعم به، بخاصة أن صناعة السلام واجب مقدّس لا يتنكر له أحد من المؤمنين بهذه الأديان، فهي في جوهرها كما تشير عالمة النفس الأميركية رينيه جارفينكل: “ملتزمة العمل لأجل العدل والسلام، وتمتلك من الإطارات والعمليات الراسخة ما يمكّنها من القيام بذلك”.

وأكد أن الحوار بين الأديان ليس مجرد جمهرة ثقافية معنوية، أو تعبير خجول عن حسن النيات والأمنيات، بل هو السبيل المهم لنتجاوز الفهم السطحي لبعضنا بعضاً، ولنتمكن من العثور على ما يجمع بيننا ويوحّدنا فنأخذ به، ومن التحاور في ما نختلف حوله حتى نستطيع قبوله ثم نتجاوزه، لنصل إلى أن التبادل والتكامل، وليس الصراع، هو أصل العلاقة بين الجماعات البشرية المتنوعة.

وقال إسميك، إنه في سبيل البحث عن مخرج من هذا المستنقع الذي يعوق فرص الحوار الحقيقي والفاعل بين الأديان، ومن ثم بين الشعوب والدول، لا بد من اللجوء إلى العلمانية الإيجابية التي تفصل الدين عن السياسة بالكامل، وتحافظ على دور كليهما في الوقت ذاته، فلا تسمح للسياسة باستغلال المعتقد لتحقيق أهدافها، ولا تدع مجالاً لاستخدام الدين من أجل إقصاء الآخر أو إفساح المجال لتوليد الضغينة والتطرف والحروب بكل أشكالها. وهذا ما يتطلب بداية إعادة تعريف مفهوم العلمانية الإيجابية ونفي تهمة عدائها للدين، تلك التهمة التي ما زال أنصار الإسلام السياسي يستخدمونها لتكفير كل من يخالفهم، أفراداً وجماعات وأنظمة سياسية.

كما يتطلب تفعيل الحوار بين الأديان الاعتراف التام بحرية المعتقد والتدين، ولقد كان هذا النهج موجوداً في الدين الإسلامي منذ ظهوره وانتشار دعوته. يذكر الباحث التاريخي اليهودي مارك كوهين أن الشعب اليهودي مثلاً، عاش في ظل الإسلام محفوظ الحقوق والمواطنة بغض النظر عن اختلاف العقيدة، واستطاع تطوير ثقافته وعاداته ضمن مجتمع إسلامي بغالبيته، بل لقد أسهم في حضارة هذا المجتمع ومدنيّته، بخاصة في العلم والفلسفة والاقتصاد. ولا غرابة في ذلك، إذ إن الدعوة إلى التآخي والسلام مع بقية الأديان كانت مما أوصى به القرآن الكريم والأحاديث النبوية على حد سواء، مع التأكيد أن الأصل في البشرية هو التنوع (وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً)، غير أن الاعتراف بهذا التنوع لا يمكن أن يتحقق إلا بشرط إسقاط فكرة التمييز العقائدي، وتعزيز احترام حقوق الإنسان على أساس الحرية والعدالة والمساواة.

وأكد أن العالم شهد ولا يزال جهوداً مدعومة من مختلف الديانات لتعزيز التواصل بينها، ففي عام 2010 أقرّت الجمعية العامة للأمم المتحدة أسبوع الوئام العالمي بين الأديان، وذلك بهدف تعزيز التفاهم المتبادل والانسجام والتعاون بين الناس، من خلال كنائس ومساجد ومعابد العالم وغيرها من أماكن العبادة، على أساس طوعي ووفقاً للقناعات والتقاليد الدينية الخاصة بكل دين، وكان هذا القرار قد جاء بناءً على اقتراح من الملك عبد الله الثاني لتعزيز السلام الثقافي ونبذ العنف انطلاقاً من فهم عميق لدى أبناء منطقة الشرق الأوسط لمعنى التعايش وأهميته، بخاصة أنها أول من عرفه واحتضنه، كما كانت أكثر من نال الأذيةل من غيابه واستمرار النزاع فيها بسبب خلافات دينية لا أصل حقيقياً لها.

تابع: ولا أنسى هنا ذكر وثيقة الأخوة الإنسانية التي تُعدّ بحق أحد أهم الجهود العظيمة وغير المسبوقة في إطار حوار الأديان، تلك الوثيقة التي كُتبت ووُقعت عام 2019 بيدي أهم شخصيتين دينيتين على مستوى العالم، بابا الفاتيكان فرانسيس وشيخ الأزهر الإمام أحمد الطيب، وذلك في احتفالية عالمية كبرى استضافتها دولة الإمارات العربية المتحدة برعاية الحكومة الاتحادية وعلى أرض أبو ظبي، ومع أن توقيع الوثيقة حظي باهتمام إعلامي وسياسي وثقافي كبير في وقته، إلا أنه ـ وكما كل هذه المبادرات ـ سرعان ما تغيب عنه المتابعة الإعلامية أو السياسية المطلوبة، كما أن متابعة المفكرين ومراكز الأبحاث لهذه الوثيقة ما زالت دون المستوى المطلوب، وبهذه المناسبة أود أن أذكّر بكتاب قرأته لأحد كبار مستشاري إمام الأزهر القاضي محمد عبد السلام الذي دوّن هذه الوثيقة في كتابه “الإمام والبابا والطريق الصعب – شهادة على ميلاد وثيقة الأخوة الإنسانية”. وبعد اطلاعي على الكتاب تعرفت إلى المراحل الدقيقة والصعبة لإعداد نص هذه الوثيقة التي تعتبر الأهم عبر تاريخ الديانتين، ولقد ساهم كتابه في تعريف المتابعين من كل ديانات العالم بالدور الإنساني العظيم الذي بذله البابا وإمام الأزهر والحاخام بروس لوسيج الذي انضمّ إليهم لاحقا، لتكون وثيقة الأخوة الإنسانية بياناً عالمياً لتأكيد مواجهة التطرف الفكري وتعزيز العلاقات الإنسانية بين الأديان والعقائد جميعها من دون استثناء. وفي الحقيقة، فبعدما قرأت هذا الكتاب القيّم، أنصح بالاطلاع عليه وفهم مضمونه، لقد أدركت الكثير من التفاصيل وجالت في خاطري الكثير من الأفكار التي ما كان إدراكها ممكناً لو اكتفيت بمشاهدة الخبر سريعاً على وسائل الإعلام.

وعلى الرغم من الأهمية العظمى لوثيقة الأخوة الإنسانية، إلا أن اللقاءات لم تستمر ولم تنعقد المؤتمرات الدولية بخصوص حوار الأديان، ولم نلمح أي تقدم يتبع توقيع وثيقة الأخوة الإنسانية، والأمر ذلك ربما يعود الى الحكومات العربية والإسلامية التي لم تفكر جدياً بهذا الحوار، سواء كان عن قصد أو عن غير قصد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: